الرقة 2030.. مدينة تُبنى على الورق؟
4 مشاريع استثمارية بملايين الدولارات تفتح باب الأمل.. لكن من يضمن أن تتحول التوقيعات إلى مصانع ومنتجعات وطرقات؟
بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والتراجع الخدمي والاقتصادي، عادت محافظة الرقة إلى واجهة الحديث عن الاستثمار من بوابة معرض دمشق الدولي بدورته الثالثة والستين، مع الإعلان عن أربعة مشاريع تستهدف الصناعة والسياحة والرياضة والتخطيط الإقليمي، ضمن ما يعرف بـ«رؤية الرقة 2030».
المشهد يبدو للوهلة الأولى واعداً: مدينة صناعية وحرفية، تأهيل نادي الفروسية، منتجع «جزيرة ورد» السياحي، ومشروع للتخطيط الإقليمي يرسم ملامح المحافظة خلال السنوات المقبلة.
لكن خلف عناوين الاستثمار الكبيرة، يبرز سؤال أكثر أهمية: هل بدأت الرقة فعلاً مرحلة إعادة الإعمار، أم أن المدينة المنهكة تتلقى مرة جديدة وعوداً استثمارية جميلة على الورق؟
من «العقود» إلى «مذكرات التفاهم»
أبرز ما يستحق التوقف عنده أن الرواية الرسمية والإعلامية استخدمت تعبير «عقود استثمارية»، بينما نقلت صحيفة «الحرية» عن مدير فرع هيئة الاستثمار في الرقة باسل حموية أن التوقيع الأخير هو في الواقع مذكرة تفاهم مدتها شهر واحد، يجري خلالها تزويد المستثمرين بالمعلومات المتعلقة بالأراضي والجهات القانونية، على أن يقدم المستثمرون ما يثبت ملاءتهم المالية ويُجروا دراسة شاملة للمشاريع، قبل الانتقال إلى صياغة العقود والتفاوض على نسب الاستثمار.
وهذه المعلومة ليست تفصيلاً إجرائياً صغيراً؛ بل هي الفارق بين مشروع أعلن عن تنفيذه ومشروع ما زال في مرحلة الاختبار.
أما المنطقة الصناعية الحرفية، فقد شهدت بالفعل توقيع اتفاق في الرابع من أيلول، بين محافظة الرقة وهيئة الاستثمار السورية ومجموعة «كيان» وشركة MYB التركية، بهدف إنشاء منطقة صناعية وحرفية منظمة. وتحدثت مصادر مختلفة عن مساحة تصل إلى نحو 1500 دونم في المرحلة المطروحة، فيما أشارت تقارير أخرى إلى نطاق يتراوح بين 70 و150 هكتاراً وعدد مقاسم قد يصل إلى 4000 مقسم.
لكن المشروع نفسه لم يولد في أيلول؛ فقد سبقه في حزيران توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء وتطوير المنطقة الصناعية الحرفية ضمن «رؤية الرقة 2030».
وهنا يبدأ السؤال: ما الذي تغير خلال هذه الأشهر؟ وهل انتقل المشروع فعلاً من مذكرة تفاهم إلى عقد تنفيذي ملزم، أم أن الرقة تعيد تدوير التوقيعات تحت عناوين مختلفة؟
200 مليون دولار.. أين التمويل؟
قبل أيام من معرض دمشق الدولي، تحدث مدير فرع هيئة الاستثمار في الرقة عن استثمارات مرتقبة تصل إلى 210 ملايين دولار، بينها نحو 200 مليون دولار للمنطقة الصناعية الحرفية و10 ملايين دولار لمشروع نادي الفروسية.
رقم ضخم بالنسبة لمحافظة خرجت من حرب طويلة، لكنه يطرح سؤالاً بديهياً:
هل الأموال موجودة فعلاً؟
لا يكفي الإعلان عن قيمة استثمارية تقديرية. المطلوب معرفة الجهة التي ستدفع، ومصادر التمويل، والجدول الزمني، وحجم الدفعة الأولى، والضمانات القانونية، والجهة التي ستتحمل كلفة البنية التحتية من طرق وكهرباء ومياه وصرف صحي واتصالات.
فالمشروع الصناعي، مهما كان حجمه، لا يمكن أن يعمل من دون خدمات أساسية. ولا يمكن جذب آلاف الورش والصناعيين إلى منطقة جديدة إذا كانت البنية التحتية المحيطة بها غير قادرة على استيعابها.
مدينة صناعية.. أم مدينة حرفية فقط؟
ثمة تفصيل آخر يستحق النقاش.
الجهات الرسمية تصف المشروع بأنه خطوة باتجاه مدينة صناعية متكاملة، بينما المشروع المعلن حالياً هو «منطقة صناعية حرفية»، وقد وصف معاون وزير الاقتصاد والصناعة محمد ياسين حورية المشروع بأنه حجر الأساس نحو تأسيس مدينة صناعية متكاملة في المستقبل.
وهذا يعني أن الرقة لم تحصل بعد بالضرورة على مدينة صناعية مكتملة بالمفهوم الاقتصادي الواسع، بل على مشروع يمكن أن يكون نواة لها.
والفرق كبير بين الاثنين.
الرقة تحتاج مصانع إنتاج حقيقية، وصناعات تحويلية مرتبطة بالزراعة، ومخازن، وسلاسل تبريد، ومراكز لوجستية، وفرص عمل مستقرة، وليس فقط نقل الورش والميكانيك والنجارة إلى منطقة خارج المدينة.
نادي الفروسية.. والمنتجع السياحي
المشاريع السياحية والرياضية تبدو أكثر جاذبية بصرياً.
مشروع إعادة تأهيل نادي الفروسية، وفق المعطيات المنشورة، يتضمن ترميم المضمار والمدرجات والإسطبلات، وإنشاء فندق ومطاعم ومسبح ومرافق ترفيهية ومجمع للرماية، على مساحة تقارب 36 ألف متر مربع. وتقول هيئة الاستثمار إن إنجاز المشروع قد يستغرق نحو عام ونصف في حال بدء العمل.
كما يتضمن مشروع «جزيرة ورد» إقامة منتجع سياحي على الفرات، مع شاليهات وبحيرة صناعية ومرافق ترفيهية.
لكن هنا أيضاً تظهر أسئلة لا تقل أهمية عن المشروع نفسه:
هل الأولوية اليوم لفندق ومنتجع سياحي، أم لإعادة تأهيل الكهرباء والمياه والطرق والصحة والتعليم؟
ليس المقصود وضع الاستثمار السياحي في مواجهة الخدمات، فالرقة تحتاج الاثنين. لكن الاستثمار الخاص لا يمكن أن يصبح بديلاً عن مسؤولية الدولة في بناء البنية التحتية الأساسية.
فالمنتجع قد يُبنى خلال أشهر إذا توفر التمويل، لكن ماذا عن الطرق المؤدية إليه؟ وماذا عن شبكات الصرف؟ وماذا عن الكهرباء والمياه؟ ومن سيضمن استمرار الخدمات العامة في مدينة ما زالت تعاني آثار سنوات الحرب؟
التخطيط الإقليمي.. المشروع الأقل لمعاناً والأكثر أهمية
بين المشاريع الأربعة، قد يكون التخطيط الإقليمي هو الأكثر أهمية على المدى الطويل، رغم أنه الأقل ظهوراً في الصور والاحتفالات.
فالرقة لا تحتاج فقط إلى مشاريع منفردة؛ بل إلى إجابة عن سؤال أكبر: كيف تريد أن تكون المحافظة عام 2030؟
أين تتوسع المدينة؟ أين المناطق الصناعية؟ كيف تُحمى الأراضي الزراعية؟ كيف تستثمر ضفاف الفرات؟ أين تكون المناطق السياحية؟ كيف ترتبط الرقة بالريف؟ وكيف تُوزع الخدمات والمواصلات والاستثمارات بين مركز المحافظة وريفها؟
إذا لم تكن هناك إجابات واضحة، فقد تتحول المشاريع المنفردة إلى جزر متفرقة لا تصنع تنمية متكاملة.
المدينة التي عانت طويلاً.. تريد أفعالاً لا صور توقيع
الرقة ليست محافظة تبدأ من الصفر.
هي مدينة دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، وتعطلت فيها قطاعات اقتصادية وخدمية واسعة، وخرجت منها أجيال تبحث عن العمل والاستقرار.
ولهذا فإن إعلان مشاريع استثمارية جديدة لا ينبغي أن يُقاس بعدد العقود الموقعة في معرض دمشق الدولي، بل بعدد الآليات التي بدأت العمل على الأرض.
كم مشروعاً بدأ حفر أساساته؟
كم ليرة أو دولار دخلت فعلياً إلى المشروع؟
كم عاملًا سورياً سيعمل فيه؟
متى ستصل الكهرباء والمياه والطرق؟
ما الجهة التي ستراقب التنفيذ؟
وماذا يحدث إذا لم يلتزم المستثمر بالجدول الزمني؟
هذه ليست أسئلة تشكيك بالمستثمرين، بل أسئلة رقابية تفرضها طبيعة المرحلة وحجم الوعود.
من يراقب «الرقة 2030»؟
تحتاج رؤية «الرقة 2030» إلى أكثر من شعار.
تحتاج إلى جدول زمني معلن، وقيم استثمارية موثقة، وعقود قابلة للتدقيق، ونسب إنجاز دورية، وإعلان واضح عن مصادر التمويل، وآلية لمعرفة ما إذا كان المشروع متعثراً أو مستمراً.
والأهم أن يعرف أبناء الرقة: ماذا سيحصلون مقابل هذه المشاريع؟
هل ستنخفض البطالة؟ هل ستخلق المنطقة الصناعية آلاف فرص العمل؟ هل سيحصل الحرفيون على مقاسم بأسعار يمكن تحملها؟ هل ستستفيد الزراعة من الصناعات التحويلية؟ هل سيعود المستثمرون وأصحاب رؤوس الأموال من خارج المحافظة؟ وهل ستتحول الرقة إلى مركز اقتصادي حقيقي على الفرات؟
الرقة لا تريد «حفل توقيع» جديداً
المشكلة ليست في أن توقع الرقة اتفاقيات.
المشكلة أن تاريخ المدن المنهكة مليء بالمشاريع التي بدأت بصورة احتفالية وانتهت في الأدراج.
ولذلك فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المعرض وإطفاء أضواء منصات التوقيع.
إذا بدأت الجرافات، وظهرت الورش، ودخلت الأموال، وشُقت الطرق، ووصلت الخدمات، وانتقل الصناعيون إلى المنطقة الجديدة، فستكون «رؤية الرقة 2030» قد خرجت من الورق إلى الأرض.