لكل السوريين

إسرائيل توسّع حضورها جنوب سوريا.. والمفاوضات الأميركية تصطدم بالوقائع الميدانية

توغلات واعتقالات وقصف متواصل.. هل تنجح واشنطن في تحويل التهدئة إلى اتفاق أمني؟

رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية بين دمشق وتل أبيب بوساطة أميركية، لا تزال إسرائيل تحافظ على حضور عسكري نشط داخل الأراضي السورية، خصوصاً في محافظتي القنيطرة ودرعا، في مشهد يعكس الفجوة المتزايدة بين المسار السياسي والواقع الميداني.

وكانت آخر التطورات، في 5 أيلول الجاري، استهداف أراضٍ زراعية جنوب بلدة الرفيد بريف القنيطرة بعدة قذائف مدفعية، أعقبها إطلاق نار من مواقع إسرائيلية في الجولان المحتل، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية، من دون تسجيل إصابات.

وقبل ذلك بأيام، اعتقلت القوات الإسرائيلية شاباً كان يرعى الأغنام غرب الرفيد، واقتادته إلى داخل الجولان السوري المحتل، في حادثة تأتي ضمن سلسلة عمليات التوقيف والتوغلات التي تشهدها المنطقة الحدودية.

توغلات متكررة رغم المفاوضات

لا تبدو هذه العمليات منفصلة عن نمط عسكري متواصل منذ نهاية عام 2024. فقد وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان عشرات التوغلات والتحركات الإسرائيلية في ريفي درعا والقنيطرة خلال صيف 2026، شملت إقامة حواجز مؤقتة، وتفتيش المنازل والمارة، وعمليات اعتقال، وتجريف أراضٍ وتركيب كاميرات مراقبة.

وخلال الأسبوع الأول من آب الماضي، وثّق المرصد 20 توغلاً وتحركاً عسكرياً إسرائيلياً في المحافظتين، فيما ارتفع العدد إلى 43 توغلاً خلال أول أسبوعين من الشهر، مع تركّز النشاط في حوض اليرموك وجباتا الخشب ومحيطهما.

وفي 19 آب، دخلت قوة إسرائيلية كبيرة إلى جباتا الخشب في القنيطرة، وفتشت عدداً من المنازل واعتقلت شابين، وفق مصادر محلية سورية.

واشنطن بين الضغط والقدرة على التأثير

في المقابل، تحاول الولايات المتحدة إبقاء المسار التفاوضي قائماً. واستضاف الأردن في آب جولة من المحادثات السورية-الإسرائيلية بوساطة أميركية، ركزت على خفض التصعيد ووقف العمليات العسكرية وإحياء المفاوضات بشأن اتفاق أمني.

وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن دمشق ترى أن فرصة التوصل إلى اتفاق أمني ما زالت قائمة، لكنها تشترط وقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد كانون الأول 2024، إلى جانب إعادة العمل باتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وتحاول واشنطن، عبر مبعوثها إلى سوريا توم برّاك، منع تحوّل الجنوب السوري إلى ساحة صدام مفتوحة، خصوصاً مع تزايد التوتر بين إسرائيل وتركيا بشأن النفوذ العسكري والسياسي في سوريا. وكان برّاك قد انتقد الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور، معتبراً أن التصعيد الإسرائيلي قد يؤدي إلى نتائج عكسية على الاستقرار الإقليمي.

مفاوضات بلا ضمانات ميدانية

المشكلة الأساسية أمام المفاوضات تتمثل في غياب الثقة بين الطرفين. فدمشق تريد تحويل التهدئة إلى انسحاب وترتيبات أمنية واضحة، بينما تستمر إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية تقول إنها مرتبطة بأمنها ومنع تهديدات محتملة على حدودها.

ويزيد استمرار التوغلات من صعوبة بناء الثقة المطلوبة لأي اتفاق، إذ إن كل عملية عسكرية جديدة تمنح الموقف المتشدد داخل إسرائيل مبررات إضافية للاستمرار في سياسة التحرك الأحادي.

وفي الوقت نفسه، لا يقتصر التصعيد على الجنوب؛ ففي آب الماضي تعرضت قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب لضربات إسرائيلية، في خطوة وسّعت نطاق العمليات الإسرائيلية داخل سوريا خارج المنطقة الحدودية التقليدية.

الرهان السوري على الدور الأميركي

أمام هذا الواقع، تراهن دمشق على قدرة واشنطن على ممارسة ضغط فعلي على الحكومة الإسرائيلية، وليس الاكتفاء بإدارة الاتصالات بين الطرفين. فالولايات المتحدة تبدو معنية بمنع انهيار الاستقرار في سوريا، خصوصاً في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة وترتيب علاقاتها الإقليمية.

لكن استمرار العمليات الإسرائيلية يطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود التأثير الأميركي: هل تستطيع واشنطن تحويل الضغط السياسي إلى التزام إسرائيلي بوقف التوغلات، أم أن المفاوضات ستبقى منفصلة عن الواقع الميداني؟

وبينما تستمر الاتصالات، يبقى الجنوب السوري أمام معادلة شديدة الحساسية: مفاوضات تبحث عن اتفاق أمني، وقوات إسرائيلية تواصل التحرك على الأرض. وما لم تنجح الوساطة الأميركية في وقف العمليات وفتح الطريق أمام انسحاب واضح وترتيبات أمنية متبادلة، فإن أي اتفاق سيظل بعيداً، فيما يدفع المدنيون في القنيطرة ودرعا ثمن استمرار التصعيد.

- Advertisement -

- Advertisement -