دخل اليمن، السبت 5 أيلول/سبتمبر 2026، مرحلة جديدة من التصعيد العسكري بعد اندلاع أعنف المواجهات منذ سنوات بين جماعة الحوثي والقوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في محافظتي تعز والحديدة وعلى امتداد الساحل الغربي، وسط مخاوف متزايدة من تحول المعارك إلى صراع واسع للسيطرة على المناطق المحاذية لمضيق باب المندب الاستراتيجي.
وخلال اليومين الماضيين، ارتفعت حصيلة القتلى بصورة كبيرة، إذ أفادت مصادر عسكرية وطبية بأن أكثر من 120 مقاتلاً من الطرفين قتلوا منذ بدء الهجوم الحوثي الخميس، فيما أشارت تقديرات أحدث إلى استمرار ارتفاع الحصيلة مع تواصل الاشتباكات. وتتركز المعارك خصوصاً غرب تعز وجنوب الحديدة، في واحدة من أكثر مناطق اليمن حساسية عسكرياً واقتصادياً.
هجوم واسع باتجاه الساحل
بدأ التصعيد بهجوم بري شنته قوات الحوثيين، ترافق مع إطلاق صواريخ واستخدام طائرات مسيّرة على عدد من الجبهات القريبة من الساحل الغربي. وبحسب مصادر عسكرية، تسعى الجماعة إلى الضغط على القوات الحكومية حول مدينة المخا وقطع خطوط الإمداد بينها وبين المناطق الأخرى، قبل التقدم باتجاه مناطق أقرب إلى مضيق باب المندب.
وتكتسب المخا أهمية مضاعفة كونها تقع على الطريق المؤدي إلى باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنه تمر السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.
ووفق معلومات ميدانية، تمكن الحوثيون خلال الهجوم من الوصول إلى مواقع مرتفعة تطل على مناطق تسيطر عليها القوات الحكومية قرب البحر الأحمر، ما يزيد المخاوف من إمكانية استخدام تلك المواقع في مراقبة الملاحة البحرية أو تهديدها بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
الحكومة ترد جواً وبراً
في المقابل، أعلنت القوات الحكومية اليمنية تنفيذ هجمات مضادة على عدة محاور، وقالت إنها استعادت مواقع في منطقة جبل حبشي غرب مدينة تعز، بينها تلال الخزان والمخهنة، بينما استمرت المواجهات على خطوط التماس في الحديدة وتعز.
واللافت في تطورات الساعات الأخيرة دخول الطيران الحكومي على خط المواجهة بصورة مباشرة، إذ أعلن الجيش اليمني تنفيذ 15 غارة جوية على مواقع وتجمعات وآليات تابعة للحوثيين في تعز والحديدة والساحل الغربي، في أول استخدام واسع للطيران العسكري منذ تصاعد المواجهات الأخيرة.
وقال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إن القوات الحكومية ستمنع الحوثيين من الوصول إلى المناطق المطلة على باب المندب، في مؤشر إلى أن المعركة باتت تتجاوز السيطرة على مواقع برية محدودة إلى صراع على واحدة من أهم نقاط الملاحة في المنطقة.
لماذا باب المندب الآن؟
لا يمكن فصل التصعيد اليمني الحالي عن التطورات الأوسع في الشرق الأوسط. فقد ازدادت أهمية البحر الأحمر خلال الأشهر الماضية مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما دفع المزيد من صادرات النفط والتجارة الدولية إلى الاعتماد على الطرق البحرية الممتدة عبر البحر الأحمر وباب المندب.
وكان الحوثيون قد هددوا في تموز الماضي بفرض حصار بحري على السعودية، كما أعلنوا خلال الأسابيع الأخيرة استهداف ناقلات نفط وسفن سعودية في البحر الأحمر وخليج عدن، ما جعل السيطرة على الساحل اليمني مرتبطة مباشرة بالصراع الإقليمي الأوسع وبأمن صادرات الطاقة.
وبالنسبة للحوثيين، فإن الاقتراب أكثر من باب المندب يمنحهم ورقة ضغط عسكرية واقتصادية كبيرة، فيما تنظر السعودية والحكومة اليمنية إلى أي تمدد حوثي في هذه المنطقة باعتباره تهديداً مباشراً للملاحة ولأمن الساحل الغربي.
مخاوف من انهيار التهدئة
كان اليمن قد شهد منذ هدنة عام 2022 انخفاضاً ملحوظاً في مستوى المواجهات الواسعة، رغم عدم التوصل إلى اتفاق سلام دائم. إلا أن القتال عاد تدريجياً منذ تموز الماضي على جبهات مأرب والجوف والضالع وتعز، قبل أن يتطور هذا الأسبوع إلى مواجهة مفتوحة على الساحل الغربي.
وبذلك باتت البلاد أمام احتمال العودة إلى حرب واسعة بعد سنوات من الجمود العسكري النسبي، خصوصاً إذا استمرت محاولة الحوثيين التقدم جنوباً باتجاه المخا وباب المندب، أو توسع التدخل الجوي لمساندة القوات الحكومية.
المدنيون يدفعون الثمن
وكما في جولات الحرب السابقة، ينعكس التصعيد مباشرة على السكان المدنيين. فقد تحدثت تقارير ميدانية عن سقوط مدنيين بين القتلى والجرحى ونزوح مئات العائلات من المناطق القريبة من خطوط الاشتباك في تعز والحديدة.
ويأتي ذلك في بلد يعاني أصلاً واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج ملايين اليمنيين إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية، فيما يهدد اتساع المعارك بتعطيل طرق الإمداد ورفع أسعار الغذاء والوقود بصورة أكبر.
اليمن في قلب صراع الممرات البحرية
ما يجري اليوم في اليمن لا يبدو مجرد جولة جديدة من الحرب الداخلية الممتدة منذ أكثر من عقد. المعركة الجارية على الساحل الغربي تعيد رسم الصراع حول الممرات البحرية نفسها؛ فمن هرمز شرقاً إلى باب المندب غرباً أصبحت طرق النفط والتجارة العالمية جزءاً مباشراً من المواجهة الإقليمية.
وإذا تمكن الحوثيون من الاقتراب أكثر من باب المندب، فإن قدرتهم على التأثير في حركة السفن قد تتضاعف، بينما سيجد خصومهم أنفسهم أمام ضرورة منع تغيير ميزان القوى على الساحل بالقوة.
لهذا فإن الأيام المقبلة قد تكون حاسمة: إما أن تنجح القوات الحكومية في تثبيت خطوطها وإيقاف الهجوم، أو يتحول الساحل الغربي لليمن إلى جبهة مفتوحة جديدة، لا تقتصر تداعياتها على اليمن وحده، بل تمتد إلى السعودية والبحر الأحمر وقناة السويس وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.