السوري ـ درعا
دخل مزارعو الجنوب السوري مرحلة جديدة من التصعيد في مواجهة أزمة تسويق المحاصيل وارتفاع تكاليف الإنتاج، مع إعلانهم التلويح بإضراب يبدأ يوم الخميس، يتضمن التوقف عن قطاف محصول البندورة ووقف توريده إلى الأسواق، في خطوة تعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي باتت تهدد استمرارية آلاف الأسر العاملة في الزراعة.
ويقول المزارعون إن استمرار انخفاض أسعار البندورة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف البذار والأسمدة والمبيدات والمحروقات وأجور العمال والنقل، جعل عملية الإنتاج الزراعي غير قادرة على تغطية النفقات الأساسية، محذرين من أن استمرار الخسائر سيدفع المزيد منهم إلى التخلي عن زراعة أراضيهم خلال المواسم المقبلة.
محصول يتحول إلى عبء اقتصادي
وصلت الأزمة، وفق ما أورده المزارعون، إلى اضطرار بعض المنتجين إلى ترك المحصول في الحقول أو رمي كميات منه بعد عجزهم عن تسويقه بأسعار تتناسب مع تكاليف إنتاجه. ويشكل هذا الواقع مفارقة اقتصادية لافتة، إذ يتحمل المزارع كامل أعباء العملية الإنتاجية، بينما يصل المنتج إلى الأسواق بأسعار لا تضمن له استرداد ما أنفقه.
ولا تقتصر الخسائر على المزارع وحده، إذ تنعكس أزمة التسويق على العمال الزراعيين وأصحاب وسائل النقل والتجار والعديد من الأسر التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على الموسم الزراعي كمصدر للدخل.
ويرى المزارعون أن استمرار هذه المعادلة قد يؤدي إلى تراجع المساحات المزروعة بالبندورة وغيرها من المحاصيل، ما يهدد بتراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على المنتجات المستوردة في المستقبل.
تكاليف مرتفعة وسوق لا يرحم
تواجه الزراعة في الجنوب تحديات متراكمة، في مقدمتها ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج وضعف القدرة الشرائية في الأسواق، إلى جانب تكاليف النقل والطاقة والعمالة.
ويطالب المزارعون بوضع آلية واضحة للتسعير تراعي التكلفة الحقيقية للإنتاج وتمنحهم هامشاً مقبولاً من الربح، بدلاً من تركهم تحت رحمة تقلبات السوق التي قد تجعل الموسم الزراعي بأكمله مصدراً للخسارة.
كما طالبوا بوقف استيراد الدبس التركي، باعتبار أن المنافسة مع المنتجات المستوردة تزيد الضغوط على المنتج المحلي، إلى جانب رفع الضرائب عن المواد الأولية المستخدمة في صناعة الفيلين، بما يساهم في تخفيض كلفة الإنتاج وتحسين قدرة المنتجات المحلية على المنافسة.
المزارع بين خيارين: الخسارة أو ترك الأرض
الأزمة الحالية لا تبدو مجرد مشكلة مرتبطة بموسم واحد، بل تحمل أبعاداً اجتماعية طويلة الأمد. فالمزارع الذي يخسر في موسم زراعي قد يجد نفسه عاجزاً عن تمويل الموسم التالي، ما يدفعه إلى تقليص المساحات المزروعة أو ترك الزراعة نهائياً والبحث عن مصادر دخل أخرى.
ومع اعتماد آلاف العائلات في الجنوب على الزراعة، فإن استمرار الخسائر قد يفاقم البطالة والفقر ويزيد من صعوبة تأمين مستلزمات الحياة اليومية، ولا سيما في المناطق الريفية التي تشكل الزراعة العمود الفقري لاقتصادها المحلي.
كما أن تراجع الإنتاج المحلي لا يعني فقط خسارة مصدر دخل للمزارعين، بل قد يؤدي لاحقاً إلى ارتفاع أسعار الخضار والمنتجات الزراعية أمام المستهلك، نتيجة تقلص العرض وزيادة الحاجة إلى الاستيراد.
دعوة إلى تدخل عاجل
ويطالب المزارعون بتدخل حكومي سريع لمعالجة أزمة التسويق، ووضع سعر عادل للمحصول، وتنظيم عملية الاستيراد، إضافة إلى تخفيض الأعباء الضريبية وتكاليف مستلزمات الإنتاج.
وتبرز الحاجة، وفق المعطيات الحالية، إلى سياسة زراعية أكثر شمولاً لا تقتصر على تحديد سعر المحصول، وإنما تمتد إلى تأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، وتنظيم الأسواق، ودعم عمليات التخزين والتصنيع الزراعي، بما يمنع تلف المحاصيل في مواسم الوفرة.
فالخسارة التي يتكبدها المزارع اليوم قد تتحول غداً إلى خسارة في الإنتاج المحلي وفرص العمل والاستقرار الاقتصادي للأسر الريفية.
ومع اقتراب موعد الإضراب الذي لوّح به المزارعون، تبدو أزمة البندورة اختباراً جديداً لقدرة الجهات المعنية على حماية المنتج المحلي وتحقيق توازن بين حقوق المزارع وقدرة المستهلك على شراء المنتج بأسعار مقبولة.
وبين ارتفاع تكاليف الزراعة وانخفاض أسعار البيع، يجد مزارعو الجنوب أنفسهم أمام معادلة صعبة: إما الحصول على سعر يضمن استمرارهم في أرضهم، أو التخلي تدريجياً عن الزراعة التي تشكل مصدر رزقهم وأحد أهم ركائز الأمن الغذائي المحلي.