هرمز على طاولة التهدئة.. السعودية وعُمان تبحثان مخرجاً من أزمة الملاحة
مسقط تملك مفاتيح التواصل مع طهران.. والرياض تبحث عن حماية مصالح الطاقة دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة
في وقت تحولت فيه أزمة مضيق هرمز إلى أحد أخطر ملفات التصعيد في الخليج، تبدو السعودية وسلطنة عُمان أمام مساحة مشتركة للتحرك الدبلوماسي، في محاولة لمنع انتقال التوتر بين الولايات المتحدة وإيران من المجال العسكري إلى أزمة طويلة الأمد تهدد الملاحة والطاقة والاقتصاد الإقليمي.
وجاء اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والسلطان هيثم بن طارق في جدة، الثلاثاء، في توقيت بالغ الحساسية، إذ ناقش الجانبان التطورات الإقليمية والجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتحقيق التهدئة، وفق ما أعلنته الجهات الرسمية في البلدين.
ورغم عدم ورود اسم مضيق هرمز بصورة مباشرة في البيانات الرسمية، فإن التطورات المتسارعة في الممر البحري تجعل أمن الملاحة واحداً من الملفات الأكثر إلحاحاً أمام الرياض ومسقط، خصوصاً بعد تعرض ناقلات مرتبطة بالنفط السعودي لهجمات أثناء تحركها في محيط المضيق.
مسقط.. قناة مفتوحة مع طهران
تتمتع سلطنة عُمان بوضع مختلف عن معظم دول المنطقة في التعامل مع الأزمة الإيرانية ـ الأمريكية، إذ حافظت مسقط على قنوات اتصال مع طهران وواشنطن في آن واحد، ما منحها خلال السنوات الماضية دوراً بارزاً في نقل الرسائل ومحاولات تقريب وجهات النظر.
وتحاول السلطنة في أزمة هرمز الانتقال من الوساطة السياسية التقليدية إلى طرح ترتيبات عملية على الأرض، تبدأ بتأمين حركة السفن وتوفير ممرات آمنة، وصولاً إلى بناء آلية أكثر استقراراً لإدارة الملاحة.
وكانت مسقط قد أعلنت في 25 آب إطاراً مرحلياً مع إيران يتعلق بإعادة الملاحة الآمنة في المضيق، يتضمن إنشاء ممر مؤقت والعمل على إزالة الألغام، بالتوازي مع مفاوضات تقنية بشأن آلية دائمة لتنظيم حركة السفن وتبادل المعلومات والخدمات الملاحية والأمنية.
كما طرحت عُمان فكرة إشراك الدول المطلة على الخليج في نقاشات مشتركة، وهو ما يحول القضية من تفاهم ثنائي بين مسقط وطهران إلى مشروع أمني إقليمي يمكن أن يضم دول الخليج الأخرى.
لماذا تحتاج عُمان إلى السعودية؟
رغم أهمية الدور العُماني، فإن أي ترتيبات تتعلق بمضيق هرمز لن تكون مكتملة من دون موافقة ودعم القوى الخليجية الرئيسية، وفي مقدمتها السعودية.
فالرياض من أكثر الدول تأثراً بأي اضطراب طويل في الملاحة، باعتبارها دولة رئيسية في إنتاج وتصدير الطاقة، كما أن استمرار التوتر يرفع كلفة التأمين والشحن ويزيد المخاطر المحيطة بسلاسل تصدير النفط.
وتملك السعودية في المقابل ثقلاً سياسياً واقتصادياً يمكن أن يمنح أي مبادرة إقليمية لإعادة فتح المضيق دعماً خليجياً أوسع.
ومن هنا تبدو العلاقة بين الرياض ومسقط تكاملية في هذا الملف: عُمان تملك قناة الاتصال مع إيران، والسعودية تملك القدرة على توفير الغطاء الخليجي والسياسي والاقتصادي لأي تسوية قابلة للتطبيق.
هرمز.. من ورقة ضغط إلى أزمة اقتصادية
لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة جغرافية في الصراع الإيراني ـ الأمريكي، بل تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية ذات تداعيات تتجاوز المنطقة.
فأي تراجع حاد في حركة السفن عبر المضيق ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وأسعار الشحن والتأمين، ويضع الدول المستوردة والمصدرة أمام حسابات جديدة.
وتشير بيانات حركة الملاحة الأخيرة إلى انخفاض كبير في عدد السفن العابرة، في مؤشر يعكس حجم المخاوف الأمنية التي باتت تحيط بالممر البحري.
وزادت المخاطر بعد تعرض ناقلتين لهجمات بمقذوفات أثناء خروجهما من المضيق بالقرب من السواحل العُمانية. ورغم عدم الإعلان عن الجهة المسؤولة، فإن الحادثتين عززتا المخاوف من أن تتحول حركة السفن إلى جزء مباشر من المعركة.
وهنا تبرز المشكلة بالنسبة لدول الخليج: كيف يمكن الحفاظ على حرية الملاحة من دون الدخول في مواجهة عسكرية أوسع؟
الرياض.. التهدئة قبل أن تتحول إلى كلفة دائمة
تبدو السعودية أكثر اهتماماً في المرحلة الحالية بإبقاء الباب مفتوحاً أمام الحلول السياسية، خصوصاً أن استمرار الأزمة يهدد المصالح الاقتصادية التي تعمل الرياض منذ سنوات على حمايتها وتنميتها.
وقد سبق للرياض أن رحبت بأي تفاهم أمريكي ـ إيراني من شأنه وقف العمليات العسكرية، وشددت على ضرورة استعادة أمن الملاحة وحرية المرور في مضيق هرمز، مع دعم الوصول إلى اتفاق دائم يأخذ مصالح دول المنطقة الأمنية في الاعتبار.
وهذا الموقف يعكس تحولاً مهماً في مقاربة الأزمة الخليجية مع إيران؛ فبدلاً من النظر إلى التوتر باعتباره مواجهة أمنية فقط، باتت تداعياته الاقتصادية والتجارية جزءاً أساسياً من حسابات دول المنطقة.
السعودية لا تريد أن تتحول أزمة هرمز إلى وضع دائم يفرض على شركات الطاقة تكاليف إضافية، ويزيد مخاطر الاستثمار، ويضع طرق التجارة والطاقة تحت تهديد مستمر.
كما أن الرياض، التي تبنت خلال السنوات الماضية سياسة أكثر ميلاً إلى خفض التوترات الإقليمية، لا تبدو مستفيدة من اندلاع مواجهة مفتوحة يصعب تحديد نطاقها أو مدتها.
هل يمكن أن يصبح البحر مدخلاً إلى السياسة؟
الاقتراح العُماني يقدم نقطة يمكن البناء عليها. فبدلاً من انتظار اتفاق سياسي شامل بين واشنطن وطهران قبل إعادة الملاحة، يمكن البدء بترتيب محدود يركز على سلامة السفن، وإنشاء ممر آمن، وإزالة الألغام، وتبادل المعلومات، وتنظيم حركة الملاحة.
وقد يسمح نجاح مثل هذا الترتيب بتخفيف مستوى التوتر، وخلق مساحة للعودة إلى المفاوضات السياسية.
وهنا يمكن للسعودية أن تلعب دوراً في توسيع المبادرة لتصبح ذات طابع خليجي، بدلاً من بقائها تفاهمًا محدوداً بين عُمان وإيران.
ومن شأن مشاركة الرياض أن تمنح المبادرة ثقلاً أكبر، خصوصاً إذا انضمت إليها دول خليجية أخرى لديها مصالح مباشرة في استمرار تدفق الطاقة والتجارة.
معادلة جديدة لأمن الخليج
قد تفضي التطورات الحالية إلى إعادة طرح مفهوم مختلف لأمن مضيق هرمز، يقوم على الفصل بين الخلافات السياسية وحرية الملاحة.
فحتى في ظل استمرار الخلاف الأمريكي ـ الإيراني، يمكن نظرياً التوصل إلى قواعد تمنع استهداف السفن التجارية وتضمن استمرار حركة الملاحة، بما يقلل من فرص تحول المضيق إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
وتملك عُمان المقومات السياسية لطرح هذا النوع من الترتيبات، بينما تستطيع السعودية توفير الدعم الخليجي لها.
لكن العقبة الرئيسية تبقى في موقف واشنطن وطهران، إذ إن أي تفاهم بحري لن يكون قابلاً للاستمرار ما لم توافق عليه القوى المتصارعة وتلتزم بعدم استخدام الملاحة كورقة ضغط عسكرية.
لقاء جدة.. أكثر من رسالة دبلوماسية
لهذا السبب، فإن لقاء جدة بين القيادة السعودية والسلطنة قد يحمل أهمية تتجاوز البيانات الرسمية التي تحدثت عن التهدئة والاستقرار.
فالرياض بحاجة إلى معرفة حدود ما تستطيع مسقط تحقيقه في اتصالاتها مع طهران، ومسقط تحتاج إلى دعم خليجي لأي مبادرة تتعلق بأمن هرمز.
وفي حال نجح الطرفان في بلورة موقف مشترك، فقد يظهر مسار جديد يقوم على ثلاث مراحل: تأمين الملاحة، خفض التصعيد، ثم الانتقال إلى تسوية سياسية أوسع.
ولا يعني ذلك أن السعودية وعُمان تملكان وحدهما مفاتيح الأزمة، فقرار الحرب والسلام يبقى مرتبطاً بحسابات واشنطن وطهران. لكن وجود قناة خليجية تجمع بين الخبرة العُمانية والوزن السعودي يمكن أن يوفر مساحة جديدة للتحرك.
هرمز.. اختبار للدبلوماسية الخليجية
أصبحت أزمة مضيق هرمز اختباراً لقدرة دول الخليج على حماية مصالحها من دون الانجرار إلى حرب جديدة.
فإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة لا يضر طرفاً واحداً، بل يرفع كلفة الطاقة والتجارة على المنطقة والعالم، ويضع الاقتصادات الخليجية أمام مخاطر لا تتناسب مع أهدافها التنموية.
ومن هنا قد تكون المصلحة المشتركة بين الرياض ومسقط أوسع من مجرد معالجة حادث أمني أو إعادة عدد من السفن إلى مسارها.
المطلوب هو تحويل التهدئة المؤقتة إلى ترتيب طويل الأمد يضمن حرية الملاحة ويمنع استخدام هرمز كسلاح في الصراعات الإقليمية والدولية.
وفي هذه المعادلة، قد تبدأ التهدئة من البحر قبل أن تصل إلى السياسة.
فإذا تمكنت السعودية وعُمان من دعم ممر آمن للملاحة، وتثبيت قواعد تمنع استهداف السفن، وفتح قنوات اتصال أوسع بين دول الخليج وإيران، فإن مضيق هرمز قد يتحول من أخطر نقاط التصعيد إلى إحدى بوابات خفضه.
وهنا تكمن أهمية التحرك السعودي ـ العُماني: ليس في قدرته على إنهاء الصراع بين واشنطن وطهران، وإنما في قدرته على منع هذا الصراع من ابتلاع أمن الخليج والملاحة العالمية، وفتح طريق جديد نحو التفاوض.