أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية الانتقالية وإسرائيل، برعاية إقليمية ودولية، شملت تركيا والأردن ودول جوار أخرى، في ظل اشتباكات متواصلة منذ أيام بين الفصائل المحلية وعشائر البدو في محافظة السويداء.
وقال باراك في منشور على منصة “إكس”، إن الاتفاق تم التوصل إليه بين رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بمساعدة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، مشيراً إلى أن الاتفاق يهدف إلى “منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة إقليمية شاملة، وتثبيت وقف فوري لإطلاق النار في الجنوب السوري”.
ودعا المبعوث الأميركي جميع المكونات في السويداء، بما فيهم “الدروز، وعشائر البدو، والسنة”، إلى إلقاء السلاح والانخراط في مشروع لبناء “هوية سورية موحدة تعيش بسلام مع جيرانها”.
من جهتها، دعت الرئاسة الروحية لطائفة المسلمين الموحدين الدروز في بيان عبر “فيسبوك” إلى “الاحتكام للعقل ووقف إطلاق النار”، وقالت إن “الدماء التي سالت فوق أرض السويداء تستوجب منا تغليب الحكمة ومدّ اليد لكل إنسان شريف لإنهاء الاشتباكات”.
وأمس الجمعة أعلنت الحكومة السورية الانتقالية عن إرسال قوات متخصصة لفض الاشتباكات المتصاعدة في السويداء، مؤكدة أنها ستتحرك ميدانياً وقانونياً بالتوازي مع إجراءات سياسية تهدف إلى وقف التدهور السريع وضمان عودة الاستقرار.
وأعربت دمشق عن قلقها “إزاء الهجمات التي استهدفت العائلات الآمنة، وما نجم عنها من ترويع للمدنيين واعتداءات على الممتلكات والكرامات”، مضيفة أنها “تقف على مسافة واحدة من جميع مكونات المجتمع السوري” وداعية إلى “التهدئة وتغليب صوت العقل”.
وأفادت مصادر محلية لصحيفة “السوري” بأن الاشتباكات تواصلت صباح الجمعة بين فصائل محلية ومسلحين من عشائر البدو في محيط مدينة السويداء، وتحديداً في سوق الهال ومداخل المدينة الغربية والجنوبية، وسط تقارير عن سيطرة مسلحي العشائر على قرية “ولغا” وتعرض قرى قنوات وعتيل وسليم للقصف بقذائف الهاون.
كما ذكرت مصادر عسكرية أن فصائل المحلية في السويداء تصدّت لهجمات من مجموعات مسلحة مدعومة من الحكومة الانتقالية، ومنعتها من تحقيق أي اختراق ميداني.
في غضون ذلك، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 79 ألف شخص نزحوا من السويداء منذ اندلاع القتال في 13 تموز/يوليو الجاري، محذرة من “انهيار شبه كامل للبنى التحتية وتدهور الوضع الإنساني بشكل خطير”.
وتزامناً، دعت منظمة الهلال الأحمر السوري إلى تحييد المدنيين والمتطوعين، مشيرة إلى استهداف سيارات إسعاف ومستودعات تابعة لها، في وقت تشهد فيه المرافق الصحية في السويداء ودرعا ضغطاً هائلاً وتهديداً لسلامة الكوادر الطبية.
وفي السياق ذاته، شددت ألمانيا على أنها لن تقدم أي دعم مستقبلي للحكومة السورية الانتقالية ما لم تتخذ الأخيرة “خطوات جدية لحماية المدنيين ووقف الاضطهاد بحق الأقليات، لا سيما أبناء الطائفة الدرزية”، وذلك بحسب تصريحات وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الفرنسي.
ودعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إلى الوقف الفوري للعنف المتصاعد في محافظة السويداء السورية، مشدداً على ضرورة حماية جميع المدنيين وضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت في المنطقة.
وفي بيان صدر أمس الجمعة، أعرب تورك عن قلقه البالغ حيال تقارير موثوقة تلقاها مكتبه، تشير إلى ارتكاب عمليات إعدام ميدانية وقتل تعسفي، بالإضافة إلى حالات اختطاف ونهب وتدمير لممتلكات خاصة، مؤكداً أن من بين المسؤولين عن تلك الانتهاكات أفراداً من قوات الأمن وعناصر تابعة للسلطات المؤقتة، بالإضافة إلى جماعات مسلحة من المنطقة، بمن فيهم عناصر من الدروز والبدو.
وأشار البيان إلى أن أعمال العنف أسفرت عن موجة نزوح جماعي من المحافظة ذات الغالبية الدرزية، محذراً من خطورة تصاعد منطق الثأر والانتقام، ومؤكداً أن “مثل هذه الدائرة من العنف يجب أن تتوقف فوراً”.
وأكد تورك أن نشر قوات الأمن يجب أن يكون بهدف تحقيق الأمان، لا ترهيب السكان، مشدداً على أهمية اتخاذ خطوات فورية لمنع تكرار الانتهاكات وحماية السكان المحليين.
كما أبدى قلقه حيال سقوط مدنيين في غارات جوية إسرائيلية استهدفت مناطق في السويداء ودرعا ووسط دمشق، مطالباً بوقف هذه الهجمات التي تعرض أرواح المدنيين للخطر.
وفي هذا السياق، دعا المفوض السامي إلى فتح تحقيق شامل ومستقل لضمان عدم دمج المتورطين في الانتهاكات ضمن الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية، معتبراً أن ذلك يمثل خطوة ضرورية لإعادة بناء الثقة العامة ودفع عملية الانتقال السياسي في سوريا.
وحث تورك الحكومة السورية الانتقالية على نشر نتائج تحقيق اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق بشأن أعمال العنف في المناطق الساحلية، وعلى إجراء تحقيق نزيه وشفاف بشأن التطورات الأخيرة في السويداء، ضمن إطار العدالة الانتقالية ومكافحة الإفلات من العقاب.
وأكد تورك في ختام بيانه أن السوريين يستحقون العدالة، والحقيقة، وضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات، داعياً الحكومة الانتقالية إلى تحمل مسؤولياتها وبناء سوريا قائمة على حقوق الإنسان، الكرامة، والحماية المتساوية للجميع.