دمشق / مرجانة إسماعيل
في أزقة دمشق القديمة، حيث تتشابك الحكايات بين الحجارة والأسقف المقببة، تنبض الحياة بصمت في سوق المسقوف العريق، أحد أقدم الأسواق التجارية في العالم. هنا، بين الأقواس الحجرية التي تحمل آثار مئات السنين، تتجلى معركة الصمود اليومي للتجار الذين يرفضون أن تُسحب منهم ذاكرة المكان، حتى وإن كان الثمن باهظاً. في هذا السوق، لم تعد السلع والبضائع هي الثروة الأغلى، بل أصبح كل متر مربع من الأرضية الحجرية الثمينة سلعة ذات قيمة تاريخية ومالية على حد سواء.
أبو وائل، رجل الستينيات من عمره، يقف أمام دكان العطور الذي ورثه عن أبيه وجده، ويبدو في عينيه مزيج من الحنين والتحدي. يقول وهو يلمس الرفوف الخشبية التي تجاوز عمرها المئة عام: “الإيجار السنوي لهذا المحل يساوي ثمن شقة سكنية في أحياء راقية. لكني لن أتركه، فهذا تراث عائلتنا منذ القرن التاسع عشر”. مرّ أبو وائل بمرحلة ازدهار السوق وكساده، وهو يروي كيف ارتفع إيجار محله من بضعة آلاف ليرات سنوياً قبل الحرب إلى أكثر من خمسين مليون ليرة سورية اليوم، بينما بقيت رائحة العطور تتغلغل في الزوايا الحجرية، شاهدة على الزمن.
على بُعد خطوات قليلة، تقف منى، شابة في الرابعة والثلاثين، أمام محل الملابس الجاهزة الذي كان تديره والدتها قبل رحيلها. تقول منى وهي ترتب البضائع على الرفوف: “أدفع إيجاراً شهرياً يعادل ربح ثلاثة أشهر كاملة. أعمل من الصباح حتى المساء فقط لأتمكن من دفع الإيجار والفواتير”. تضطر منى أحياناً لتخزين البضاعة في غرفة نومها، إذ لم تعد قادرة على تحمل تكلفة مستودع إضافي. وتضيف بصوت يملؤه الإصرار: “ورثت عن والدتي الحب لهذا السوق، ولن أستسلم رغم الصعاب.”
المفارقة الكبرى في سوق دمشق القديم تكمن في التناقض بين قيمته التراثية والتاريخية، وبين الواقع الاقتصادي المزري الذي يعيشه التجار يومياً. الأقواس الحجرية والأسقف المقببة تزين واجهات المحلات، بينما يعاني التجار من مشاكل الكهرباء المتكررة، ونقص المياه، وانهيار البنية التحتية التي لم تعد تواكب عبق التاريخ الذي يحيط بهم.
أبو سامر، صاحب محل للأقمشة، قضى أكثر من أربعين عاماً في السوق. يقف أمام بضاعته المتراصة بعناية، ويقول: “هذا السوق كان يجتذب السياح من جميع أنحاء العالم. اليوم، نحاول البقاء على قيد الحياة فقط”. اضطر أبو سامر إلى تسريح جميع العمال والاعتماد على أبنائه في العمل، دون أجر، خوفاً من أن ينهار محله التاريخي تحت وطأة التكاليف الباهظة.
وفي زاوية أخرى، يروي خالد، شاب خريج كلية الهندسة في السابعة والعشرين من عمره، قصة اختيار البقاء في السوق بدلاً من الهجرة. يقول وهو يعرض تحفاً يدوية الصنع: “افتتحت هذا المحل الصغير قبل عامين. الإيجار يلتهم 70% من أرباحي، لكني أرفض الهجرة. أريد أن أثبت أن الشباب السوري يمكن أن ينجح في وطنه.” يستخدم خالد منصات التواصل الاجتماعي للترويج لبضاعته، ويشحن منتجاته إلى الخارج، في محاولة لتجاوز الأزمة المحلية، متحدياً الواقع القاسي بإبداع وإصرار.
قصة أخرى تضيف نكهة الصمود للسوق، هي قصة أم علي، التي تدير كشكاً صغيراً لبيع المكسرات والحلويات منذ أكثر من أربعين عاماً. تقول المرأة وهي توزع اللوز على صواني معدنية: “الإيجار ارتفع من مئة ليرة شهرياً إلى مليوني ليرة، لكني سأستمر في العمل حتى آخر يوم في حياتي.” شخصيتها الصامدة تمثل روح السوق الذي لم ينهزم رغم كل الظروف، وترمز إلى رابط الزمن بين الماضي والحاضر، بين الأجيال المتعاقبة.
رغم كل التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يتمسك تجار السوق بأمل وحيد: عودة الازدهار إلى قلب دمشق التاريخي. أبو وائل يصرّ على ذلك وهو يشير إلى الحجارة العتيقة فوق الأرضيات: “هذا السوق شهد على حضارات متعاقبة. لن نسمح للأزمة الاقتصادية أن تقضي على تراثنا. هذه الجدران تتحدث بلغة التاريخ، ونحن فقط حراس مؤقتون لهذا الإرث العظيم.”
سوق دمشق القديم ليس مجرد مكان للتجارة، أو فضاء اقتصادي بل هو متحف حي يحكي قصصاً عن الصمود والعزيمة، عن ذكريات الماضي وتحديات الحاضر، وعن أحلام تجار شغوفين يسعون للحفاظ على إرث أجدادهم. إنه فضاء يعكس تلاقي الثقافة والتاريخ مع الواقع الاقتصادي الصعب، ويظهر كيف يمكن للعطاء البشري والارتباط بالمكان أن يتحول إلى مقاومة صامتة ضد النسيان والتهميش.
ورغم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يتمسك تجار السوق بالأمل في عودة الازدهار. كما يقول أبو وائل: “هذه الجدران تتحدث بلغة التاريخ، ونحن فقط حراس مؤقتون لهذا الإرث العظيم. لن نسمح للأزمة الاقتصادية أن تقضي على تراثنا.”
وفي نهاية المطاف، يبقى السوق قلب دمشق النابض، حيث تختلط رائحة البهارات العتيقة، وضحكات الأطفال الذين يمرون بين المحلات، وصوت التجار الذين يصرون على البقاء، كل ذلك ليؤكد أن التراث لا يموت ما دام هناك من يقدّر قيمته ويحميه بحب وإصرار.