تقرير/ اـ ن
عاد شهر أيلول بمتاعبه وهمومه، حاملاً معه قرع أجراس المدارس إيذاناً بعام دراسي جديد، لكنه في طرطوس واللاذقية لم يأتِ بالفرح، بل زاد من ثقل الهموم على كاهل الأهالي والطلاب. فالعام الجديد الذي يُفترض أن يكون موسماً للعلم والمعرفة، صار عند كثير من العائلات مناسبة ثقيلة، عنوانها البحث المضني عن المستلزمات المدرسية في ظل أوضاع اقتصادية خانقة وفقر مدقع.
الأسواق بدت مكتظة بالمستلزمات، لكن وجوه الناس مكفهرة، والجيوب فارغة، والمحال تعرض تشكيلات جديدة من الألبسة المدرسية بأسعار مرتفعة لا تراعي ضعف القدرة الشرائية.
فثمن الجاكيت للمرحلتين الإعدادية والثانوية يتراوح بين 200 و250 ألف ليرة، أما البنطال فيبلغ 150 إلى 175 ألفاً، والقميص ما بين 160 و180 ألفاً، والمريول المدرسي المخصص للمرحلة الابتدائية وصل سعره إلى 115 ألف ليرة في بعض المحال.
والأحذية أيضاً لم تكن أقل عبئاً فالنوعيات المتوسطة تتجاوز 200 ألف ليرة، فيما سجلت الحقائب الجيدة نحو 250 ألفاً، مع وجود أسعار أعلى بكثير. أما القرطاسية فتفاوتت بشكل كبير؛ المقلمة المتوسطة وصلت إلى 35 ألف ليرة، والجيدة تجاوزت 60 ألفاً، والدفتر السلك سجل 25 ألفاً، بينما الأقلام الناشفة والرصاص ارتفعت أسعارها حتى 5 آلاف ليرة.
بحسب تقديرات الأهالي، فإن تكلفة تجهيز طالب واحد في المرحلة الإعدادية أو الثانوية تتراوح بين مليون إلى مليون ومئتي ألف ليرة، بينما طالب المرحلة الابتدائية يحتاج نحو سبعمئة ألف ليرة، أما العائلات التي تضم أكثر من ثلاثة أو أربعة طلاب، فالكلفة تصل إلى أربعة ملايين ليرة وربما أكثر، وهو رقم يوازي أو يفوق الحد الأدنى للأجور بعد الزيادة الأخيرة.
وسط هذا الواقع، تتضاعف معاناة الأهالي الذين يضطرون للبحث عن حلول يائسة، أبو أحمد، وهو أب لثلاثة طلاب من طرطوس، يصف الأمر قائلاً: “كل عام نعيش حالة من الرعب مع بداية المدارس. راتبي لا يكفي لتغطية ربع النفقات المطلوبة. صرنا نضطر للاستدانة من الأقارب أو بيع ما تبقى لنا من مدخرات صغيرة، وحتى الذهب المنزلي لم يعد موجوداً. ما نشتريه من مستلزمات بالكاد يصمد حتى نهاية العام الدراسي، والجودة الرخيصة تنهار سريعًا فنضطر لشراء بدائل جديدة في منتصف السنة”.
في ريف اللاذقية، تحكي أم لينا معاناتها بأسى واضح: “لدي أربعة أطفال في المراحل المختلفة. كل واحد يحتاج إلى مستلزمات تتجاوز المليون ليرة. كيف أستطيع تأمين كل ذلك؟ في العام الماضي اضطررت أن أرسل ابني الأصغر إلى المدرسة بحقيبة قديمة مهترئة ورقعتها بيدي. هذا العام لم أعد قادرة حتى على ذلك. المصاريف لا تتوقف عند الألبسة والقرطاسية فقط، بل هناك المواصلات اليومية التي تلتهم نصف دخلنا، والدروس الخصوصية التي أصبحت ضرورية لأن التعليم لم يعد كافيًا وحده، والمصروف الشخصي الذي يحتاجه الطفل ليحافظ على كرامته أمام أصدقائه”.
يشاركهما الحديث أبو محمد، وهو مزارع من ريف طرطوس: “نحن بالكاد نؤمن قوت اليوم، فكيف نستطيع أن نجهز أولادنا للمدرسة؟ ابني الكبير ترك الدراسة وبدأ يعمل في ورشة حدادة ليساعدنا، مع أنه كان متفوقاً ويحلم أن يصبح مهندساً. لم يعد في وسعنا أن نحقق أحلام أطفالنا الفقر يقتل الطموح قبل أن يقتل الجسد”، ثم يضيف بنبرة متحسرة: “المدرسة التي كانت نافذة أمل لأولادنا صارت عبئاً نخشى قدومه كل عام”.
لا تقف الأعباء عند هذا الحد، فافتتاح المدارس يتزامن مع موسم مؤونة الشتاء. كثير من الأسر تحاول في الوقت نفسه تأمين الزيت والبرغل والسكر والمكدوس والفواكه المجففة، وكلها شهدت ارتفاعاً كبيراً بالأسعار، هذا التزامن ضاعف الضغط على ميزانية العائلات، التي تجد نفسها مضطرة للاختيار بين التعليم والغذاء، بين شراء حقيبة جديدة أو شراء تنكة زيت.
ومع كل هذه الضغوط، يزداد القلق من أثر هذه الأوضاع على العملية التعليمية نفسها، بعض الأهالي يقرّون بأنهم سيعجزون عن إرسال أبنائهم إلى المدرسة بانتظام بسبب عدم توفر المال للمواصلات، فيما يضطر آخرون لتقليل مصروف أبنائهم إلى الحد الأدنى، ما يضع الطلاب في مواقف محرجة أمام زملائهم وهناك من لجأ إلى تشغيل أبنائه الأكبر سناً لمساعدة الأسرة على مواجهة تكاليف الحياة، ما يهدد بزيادة نسب التسرب المدرسي وفقدان جيل كامل فرصته في التعلم.
بهذا المشهد، يدخل طلاب طرطوس واللاذقية عامهم الدراسي الجديد محملين بآمال صغيرة في التعلم وسط واقع قاسٍ، فيما يظل الأهالي مثقلين بديون متراكمة وتحديات يومية لا تنتهي. ومع استمرار غياب أي سياسة دعم حقيقية، تبدو معاناة الأسر السورية مع موسم المدارس قصة تتكرر عاماً بعد عام، مع اختلاف الأرقام وازدياد القسوة، لكن الألم يبقى واحدًا.