تقرير/ جمانة الخالد
في صباح بارد من أحد أيام تشرين الثاني في حي السباعية بمدينة حماة، جلست مع كريم الحاج، شاب في الثامنة والعشرين من عمره، كان يحمل حقيبته على كتفه وعيناه تلمعان بالحزن والفخر في آن واحد. كريم غادر سوريا قبل خمس سنوات، حاملاً شهادة في الهندسة الميكانيكية، لينطلق إلى ألمانيا، حيث استقر وأصبح يعمل مهندس صيانة في شركة تصنيع كبيرة.
“كل يوم أستيقظ وأفكر ببيت أهلي في الحي القديم، بالزقاق الذي كنت ألعب فيه، بالأصدقاء والجيران… كل شيء هنا يفتقده قلبي”، يقول كريم وهو يبتسم باحترام لنفسه. لكنه سرعان ما يضيف: “لكني أدرك أن العودة الآن مستحيلة عملياً، الحياة هنا تتيح لي تأمين مستقبل لي ولأهلي، من مأكل ودواء وتعليم لأولادي”.
يمثل كريم آلاف الشباب السوريين الذين يعيشون حالة صراع دائم بين الحنين للوطن والفرص التي توفرها الغربة. فهو يرسل شهرياً جزءاً من راتبه لعائلته في حماة، ويتواصل مع أصدقائه وزملائه السابقين عبر الإنترنت، لكنه يشعر بالاغتراب النفسي عن جذوره.
في حديثه، يروي قصة صديقه سامي قاسم، الذي غادر حماة أيضاً إلى كندا قبل ست سنوات، ليعمل في مجال التصميم الداخلي: “سامي بدأ بمهنة متواضعة، لكنه الآن يدير فريقاً من المصممين ويشارك في مشاريع ضخمة. وعندما يزور أهله في الحي القديم، يعود ومعه قصص النجاح والإنجاز، فيحمل معه شعور الفخر لسوريا كلها”.
الباحث الاقتصادي والمصرفي الدكتور نادر الخالدي يرى في هؤلاء الشباب قوة بناء هائلة: “الشباب السوري المهاجر يمتلك خبرات عملية وعادات عمل اكتسبها في الخارج، ويشكل عنصرًا أساسياً في مرحلة إعادة الإعمار، سواء عبر الخبرات المهنية أو الاستثمارات المالية أو الأفكار الريادية”.
لكنه يشير إلى العقبات الكبيرة: ضعف الحوافز المالية في الداخل مقارنة بالغربة، صعوبة إجراءات تأسيس الشركات أو الحصول على تراخيص، ونقص المنصات الرقمية التي تسهّل تواصل المغتربين مع الوطن.
“لكن هناك فرص كبيرة أيضاً”، يضيف الخالدي، ويستشهد بحالات ملموسة: “مثل عائلة الفارس في السعودية، حيث حول أبناء العائلة مدخراتهم الصغيرة إلى مشاريع عقارية وتجارية تجاوزت قيمتها 6 مليارات دولار، ما شكل نموذجًا يُحتذى للاستثمار السوري في الخارج”.
كريم الحاج نفسه بدأ مشروعاً صغيراً عن بُعد، بالتعاون مع صديق له في حماة، لإنشاء تطبيقات تعليمية للأطفال. “أعمل ساعات طويلة، لكن رؤية الأطفال يستخدمون التطبيقات وتعلّمهم شيء جديد يمنحني شعوراً بأنني أساهم ولو قليلاً في تطوير بلدي”.
الدكتور نادر الخالدي يوصي بخطوات عملية لاستقطاب الشباب المهاجر: إنشاء حزمة تشريعية تتضمن إعفاءات ضريبية للمدخرات العائدة، تسهيل إجراءات تأسيس الشركات، تأسيس صندوق للاستثمار يديره خبراء سوريون بمشاركة المغتربين، وإطلاق منصات رقمية تعرض فرص الاستثمار، بالإضافة إلى برامج تدريبية عبر الإنترنت بالتعاون مع جامعات عربية وأوروبية.
ويضيف: “بتضافر الإرادة التشريعية والشراكة الفاعلة بين الحكومة والقطاع الخاص، يمكن تحويل ما نسميه اليوم هجرة الأدمغة إلى هجرة العقول، واستثمار الطاقات السورية في الداخل، لتصبح قوة دافعة للنهوض بالاقتصاد الوطني”.
بين الحنين والغربة، بين الألم والفخر، يظل كريم الحاج مثالاً حيّاً على شريحة الشباب السوري التي يمكن أن تشارك في بناء الوطن. فهو، مثل كثيرين، لا يريد فقط العودة، بل يريد أن يرى سوريا الجديدة مزدهرة، مستثمرة طاقاته وخبراته، ويأمل أن يأتي اليوم الذي يفتح فيه أبواب بلده أمام كل من غادر، ليعيد بناء ما فقده، ليس بالحنين وحده، بل بالعمل والابتكار.