لكل السوريين

الذكاء الاصطناعي.. شريك للإبداع أم طريق إلى الكسل؟ من يتحكم بمن؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية مستقبلية يجري الحديث عنها في المختبرات ومراكز الأبحاث، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية لملايين الأشخاص، يدخل في الكتابة والتصميم والبرمجة والتعليم والبحث وحتى صناعة المحتوى. ومع اتساع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، برز سؤال يتجاوز حدود التكنولوجيا نفسها: هل نحن من يستخدم الذكاء الاصطناعي، أم أننا نسمح له تدريجياً بأن يفكر ويبدع نيابة عنا؟

السؤال ليس افتراضياً بالكامل. فقد بدأت دراسات حديثة ترصد آثاراً متناقضة لاستخدام الذكاء الاصطناعي؛ فهو قادر على رفع جودة الأداء وتسريع إنجاز المهام، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى انخفاض الدافعية أو الاعتماد المفرط عليه عندما يتحول من أداة مساعدة إلى بديل عن الجهد الذهني.

عندما يصبح الذكاء الاصطناعي «مساعداً»

تظهر دراسات حديثة أن التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي يمكن أن يحسن الأداء في المهام الإبداعية. وتحليل تلوي شمل 28 دراسة وأكثر من 8200 مشارك وجد أن الأشخاص الذين تعاونوا مع الذكاء الاصطناعي حققوا أداءً إبداعياً أفضل من الأشخاص الذين عملوا من دونه، ما يعزز فكرة أن التقنية يمكن أن تكون أداة لتوسيع قدرات الإنسان بدلاً من إلغائها.

وتبرز الفائدة بصورة خاصة عندما يستخدم الشخص الذكاء الاصطناعي لتوليد أفكار أولية، أو ترتيب المعلومات، أو اكتشاف زوايا جديدة للمشكلة، ثم يتولى هو عملية الاختيار والتطوير والتدقيق.

لكن الوجه الآخر للمسألة أن الذكاء الاصطناعي قد يدفع المستخدمين إلى السير في اتجاه واحد. فقد خلص بحث نشر في Nature Human Behaviour إلى أن استخدام ChatGPT في جلسات العصف الذهني يمكن أن يزيد جودة بعض الأفكار، لكنه قد يقلل تنوعها، ما يعني أن الاعتماد على الاقتراحات الجاهزة قد يجعل الأفكار أكثر تشابهاً وأقل اختلافاً.

من توفير الوقت إلى توفير التفكير

المشكلة لا تبدأ عندما يستخدم الإنسان الذكاء الاصطناعي، وإنما عندما يتوقف عن التفكير قبل استخدامه.

فبدلاً من أن يبحث الطالب ويقرأ ويقارن ثم يكتب، يستطيع خلال ثوانٍ الحصول على إجابة كاملة. وبدلاً من أن يبدأ الكاتب بتكوين أفكاره، يمكنه طلب مقال جاهز. وحتى في الأعمال الإبداعية، يستطيع المستخدم الانتقال مباشرة إلى النتيجة النهائية من دون المرور بالمراحل التي كانت تصنع الخبرة والمهارة.

وهنا يظهر مفهوم «التفريغ المعرفي»، أي نقل جزء من العمليات الذهنية إلى أداة خارجية. وتحذر أبحاث حديثة من أن الاعتماد غير النقدي على الذكاء الاصطناعي قد يرتبط بتراجع المشاركة الذهنية والتفكير العميق، خصوصاً عندما يصبح المستخدم متلقياً سلبياً للمخرجات.

وفي المقابل، لا يعني ذلك أن كل استخدام للذكاء الاصطناعي يؤدي إلى «كسل عقلي». دراسة منشورة عام 2026 حول استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم وجدت علاقة إيجابية بين استخدامها والتعلم المنظم ذاتياً، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى مخاوف تتعلق بالاعتماد المفرط والكسل ما وراء المعرفي وتآكل بعض المهارات الأكاديمية الأساسية.

الإبداع بين الإنسان والآلة

الإبداع بطبيعته لا يقوم فقط على إنتاج إجابة صحيحة، وإنما على القدرة على طرح السؤال المختلف، وربط أفكار متباعدة، وتجربة ما هو غير مألوف.

ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكون مسرّعاً للإبداع عندما يقدم للإنسان عشرات الاحتمالات التي يمكن تطويرها، لكنه قد يصبح قيداً على الإبداع عندما يكتفي المستخدم باختيار أول إجابة تبدو جيدة.

وتشير أبحاث حديثة إلى هذه المفارقة تحديداً: الذكاء الاصطناعي يمكن أن يوفر «إلهاماً» ويحفز الأفكار، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى ما يسمى التثبيت الإبداعي، أي دفع الشخص إلى الالتصاق بالأفكار التي يقترحها النظام بدلاً من مواصلة البحث عن بدائل أكثر أصالة.

الأداء يتحسن.. لكن ماذا عن الإنسان؟

تكمن المفارقة الأكبر في أن الذكاء الاصطناعي قد يجعل الإنسان أكثر إنتاجية في اللحظة نفسها، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه أصبح أكثر قدرة على العمل وحده.

ففي تجربة شملت أكثر من 3500 مشارك، وجد باحثون أن التعاون مع الذكاء الاصطناعي حسّن الأداء الفوري في المهام، لكن هذا التحسن لم ينتقل بالضرورة إلى المهام اللاحقة التي أُنجزت من دون مساعدة. كما رُصد انخفاض في الدافعية الذاتية وارتفاع في الشعور بالملل لدى بعض المشاركين عند الانتقال من العمل بمساعدة الذكاء الاصطناعي إلى العمل الفردي.

وهذا يطرح سؤالاً مهماً أمام المدارس والجامعات وأماكن العمل: هل ينبغي تعليم الناس كيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي فقط، أم كيف يستخدمونه من دون أن يفقدوا مهاراتهم الأساسية؟

من يتحكم بمن؟

ربما لا تكمن القضية في الاختيار بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بل في تحديد العلاقة بينهما.

إذا استخدم الإنسان الذكاء الاصطناعي للبحث، والمقارنة، وتوليد البدائل، وتوفير الوقت في الأعمال الروتينية، ثم احتفظ لنفسه بالقرار والتقييم والنقد والإبداع، تصبح التكنولوجيا امتداداً لقدراته.

أما إذا أصبح يطلب من الآلة أن تفكر وتكتب وتحلل وتقرر نيابة عنه، فإن المشكلة لا تعود في تطور الذكاء الاصطناعي، بل في تراجع استعداد الإنسان لاستخدام ذكائه هو.

وفي النهاية، لا يبدو أن المعركة الحقيقية هي بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي، وإنما بين الاستخدام الواعي والاستخدام الكسول للتكنولوجيا. فالآلة قد تمنح الإنسان وقتاً أكبر للإبداع، لكنها لا تستطيع أن تضمن له أن يكون مبدعاً.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب لنا آلاف الكلمات، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده أي فكرة تستحق أن تُقال. وهنا تحديداً تبقى الكلمة الأخيرة للإنسان.

- Advertisement -

- Advertisement -