لكل السوريين

الفانوس الدمشقي.. حين يتحول الضوء إلى حكاية من النحاس والزجاج

في أزقة دمشق القديمة، لا تبدو الفوانيس مجرد أدوات للإنارة أو قطع للزينة، بل تحمل في تفاصيلها جزءاً من ذاكرة المدينة. فمن صفائح النحاس التي تتشكل تحت ضربات المطرقة، إلى الزجاج الملون الذي يرشح الضوء بألوانه الدافئة، حافظ الفانوس الدمشقي على حضوره بوصفه إحدى الحرف اليدوية التي تجمع بين الوظيفة والجمال، وتختزن جانباً من تاريخ الصناعات الدمشقية التقليدية.

وتشير مصادر توثيق الحرف الدمشقية إلى أن صناعة الفوانيس كانت معروفة في دمشق منذ أواخر العهد العثماني، وكان الحرفي يصنعها من المعدن والزجاج والجلد، مع باب صغير يوضع من خلاله مصدر الإضاءة. ومع دخول مصابيح الكاز ثم انتشار الإنارة في الشوارع، تراجع الدور الوظيفي للفانوس، قبل أن تتحول صناعته تدريجياً إلى حرفة فنية وزخرفية ارتبطت خصوصاً بأجواء شهر رمضان.

من أداة إنارة إلى قطعة فنية

لم يعد الفانوس الدمشقي في صورته الحديثة مجرد وسيلة لإضاءة المكان، وإنما أصبح قطعة فنية تعكس مهارة صانعها. وتطورت أشكاله وزخارفه مع مرور الوقت، فظهرت فيه الرسومات الهندسية والنباتية، وأعمال التفريغ والنقش، إلى جانب استخدام الزجاج الملون الذي يمنح الضوء طابعاً خاصاً.

وتذكر مصادر حديثة أن صناعة الفوانيس في دمشق ارتبطت بحرفة النحاسيات، ولا سيما في منطقة العمارة داخل سور دمشق القديمة، حيث ما تزال أصوات المطارق تتردد في بعض الورش، بينما تعرض الفوانيس بأحجام وتصاميم مختلفة للاستخدام المنزلي أو للزينة في المطاعم والفنادق والأسواق.

صناعة تبدأ من صفيحة وتنتهي بتحفة

يمر الفانوس الدمشقي بعدة مراحل يدوية دقيقة. تبدأ العملية بقص صفائح النحاس، ثم ثنيها وتشكيلها وفق التصميم المطلوب، قبل الانتقال إلى النقش والتفريغ وإعداد الزخارف.

بعد ذلك يجمع الحرفي أجزاء الفانوس ويلحمها، ثم يثبت ألواح الزجاج داخل الهيكل المعدني، وصولاً إلى تركيب مصدر الإضاءة. وتمنح هذه المراحل القطعة النهائية طابعاً مميزاً، إذ لا تتطابق جميع الفوانيس المصنوعة يدوياً بصورة كاملة، وتبقى بصمة الحرفي واضحة في تفاصيلها.

ولا تنفصل صناعة الفانوس عن الحرفة النحاسية الدمشقية الأوسع، التي تعتمد على مجموعة من المهارات والأدوات التقليدية، بينها المطارق والأزاميل وأقلام الحفر وأدوات القص والتشكيل. وتعد الزخرفة على النحاس من الفنون الدمشقية القديمة التي تحولت مع الزمن من إنتاج الأدوات المنزلية إلى صناعة التحف وقطع الديكور.

سوق النحاسين.. ذاكرة الحرفة

ارتبط الفانوس وغيره من المشغولات المعدنية بأسواق دمشق القديمة، وفي مقدمتها سوق النحاسين، إلى جانب أسواق وأحياء أخرى عرفت بورش الحرفيين.

وتشير مصادر محلية إلى أن سوق النحاسين يقع ضمن النسيج التاريخي لدمشق القديمة، وأن الحرفيين حافظوا فيه على تقاليد صناعة النحاس وتشكيله ونقشه. كما بقيت أسواق مثل مدحت باشا حاضنة لعدد من الصناعات اليدوية الدمشقية، بينها النحاسيات والمشغولات التراثية.

وهنا تتجاوز قيمة الفانوس حدود القطعة التي تباع في متجر؛ فهو جزء من منظومة حرفية كاملة تشكلت حول الأسواق القديمة، حيث كان انتقال الخبرة من جيل إلى آخر جزءاً أساسياً من استمرار المهنة.

رمضان.. موسم استعادة الذاكرة

ارتبط الفانوس في الذاكرة الشعبية السورية والعربية بشهر رمضان، فتحول من أداة للإضاءة إلى علامة احتفالية ترافق الشهر الفضيل.

وفي دمشق تحديداً، تزداد صناعة الفوانيس وعرضها خلال الموسم الرمضاني، فتظهر في الأسواق والأزقة والمطاعم والبيوت، بأحجام تتراوح بين القطع الصغيرة التي توضع على الطاولات، والفوانيس الكبيرة التي تستخدم في تزيين المداخل والأسقف والأماكن العامة.

وبذلك أصبح الفانوس جزءاً من المشهد البصري لشهر رمضان، يجمع بين رمزية النور وجمال الحرفة، ويستعيد في الوقت نفسه صورة دمشق القديمة وأسواقها وحرفييها.

حرفة تواجه تحديات العصر

لم تكن صناعة الفوانيس بمنأى عن الظروف الاقتصادية والتحولات التي أصابت مختلف الحرف التقليدية السورية. فقد أدى تراجع الحركة السياحية خلال سنوات الحرب، إلى جانب ارتفاع تكاليف المواد الأولية وتغير أنماط الاستهلاك، إلى الضغط على عدد من الورش والحرفيين.

كما تواجه الحرفة تحدياً آخر يتمثل في انتقال الخبرة إلى جيل جديد. فالصناعات اليدوية تحتاج إلى سنوات من التدريب والممارسة، في وقت أصبحت فيه المنتجات الصناعية الحديثة أسرع وأقل كلفة في كثير من الحالات.

ومع ذلك، تظهر مؤشرات على استمرار حضور الحرف النحاسية السورية ومحاولتها استعادة موقعها في الأسواق المحلية والخارجية، خصوصاً مع تزايد الاهتمام بالمنتجات اليدوية التي تحمل قيمة فنية وهوية ثقافية واضحة.

أكثر من فانوس

تكمن أهمية الفانوس الدمشقي في أنه يختصر قصة حرفة كاملة: معدن يتحول بين يدي الحرفي إلى شكل، والزجاج يتحول إلى لون، والضوء يتحول إلى مشهد، والمشهد بدوره يتحول إلى ذاكرة.

وفي مدينة عرفت الحرفة باعتبارها جزءاً من الحياة اليومية، لا يزال الفانوس يحمل معنى يتجاوز وظيفته. إنه قطعة صغيرة من دمشق القديمة، تروي قصة الأيدي التي صنعتها، والأسواق التي احتضنتها، والبيوت التي أضاءتها، والأجيال التي حافظت على أسرارها.

وبقدر ما ينجح الحرفيون في نقل هذه المهارة إلى الأجيال الجديدة وتطوير تصميماتها دون فقدان هويتها، يبقى الفانوس الدمشقي قادراً على تحدي الزمن؛ ليس باعتباره أثراً من الماضي، وإنما حرفة حية يمكن أن تجد لنفسها مكاناً في الحاضر والمستقبل.

- Advertisement -

- Advertisement -