السوري ـ دير الزور
مع بزوغ الفجر على ضفاف نهر الفرات غربي دير الزور، تبدأ الشابة أيمان العلي (28 عاماً) يومها الطويل في الحقول الزراعية المحيطة بالمخيم العشوائي الذي تعيش فيه. تعمل لساعات تمتد حتى المساء مقابل أجر لا يتجاوز ثلاثة آلاف ليرة سورية في الساعة، في محاولة لتأمين نفقات دراستها ومساندة أسرتها في تلبية احتياجاتها الأساسية.
وبينما يقضي أقرانها العطلة الصيفية في الراحة أو الأنشطة الترفيهية، تلتزم هند بدوام يومي كامل، في حين كانت خلال العام الدراسي توفّق بين العمل والتعليم، فتغادر إلى الحقول مع ساعات الصباح الأولى قبل أن تلتحق بمدرستها لاحقاً.
قصة ايمان ليست استثناءً، بل تمثّل واقعاً واسع الانتشار بين نساء وفتيات ريف دير الزور، حيث تدفع الظروف الاقتصادية القاسية العديد منهنّ إلى العمل في الزراعة بأجور متدنية، وفي ظروف صعبة تفتقر لأدنى معايير الحماية.
تتنوع المهام التي تؤديها العاملات بين حصاد المحاصيل يدوياً باستخدام المناجل، وزراعة الخضراوات وجنيها، إلى جانب أعمال التعشيب، وسط حرارة الصيف القاسية وبرد الشتاء، دون أي تأمين صحي أو ضمانات مهنية تحميهن في حال التعرض للإصابات.
تمييز في الأجور وفرص العمل
تشير شهادات عاملات في المنطقة إلى وجود فجوة واضحة بين أجور النساء والرجال. فبحسب فاطمة الأحمد (اسم مستعار)، يفضّل الوسطاء تشغيل النساء لأنهنّ يقبلن بأجور منخفضة ولا يطالبن بزيادتها، في حين يحصل الرجال على فرص عمل أفضل، سواء في تشغيل الآلات الزراعية أو مهام أقل مشقة وبأجور أعلى.
وتوضح أن دخل يوم كامل بالكاد يكفي لتأمين بعض الاحتياجات الغذائية، فيما تضطر النساء بعد انتهاء يوم العمل إلى متابعة أعباء المنزل من تنظيف وطهي ورعاية الأطفال، ما يضاعف حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهن.
تغيرات فرضتها سنوات النزاع
لم يكن العمل الزراعي بالساعة ظاهرة جديدة، لكنه شهد تحولاً ملحوظاً منذ عام 2011، حيث أصبح الاعتماد الأكبر على النساء، في ظل عزوف كثير من الرجال عن هذا النوع من العمل واتجاههم نحو فرص أخرى ذات دخل أفضل، أو هجرتهم خارج البلاد.
كما ساهم تدهور قيمة الليرة السورية وارتفاع تكاليف المعيشة في تعميق الأزمة، إذ لم تعد الأجور تتناسب مع الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية.
خيارات محدودة ومعاناة مضاعفة
بالنسبة لنساء مثل هبة خلف، التي تعيل أطفالها بعد فقدان زوجها، لا يبدو أن هناك بدائل حقيقية خارج العمل الزراعي، خاصة في ظل ضعف فرص التدريب المهني أو الحصول على وظائف عبر المنظمات، والتي ترى أنها تخضع أحياناً للمحسوبيات.
وتزداد معاناة النساء مع محدودية فرص الهجرة مقارنة بالرجال، ما يبقيهنّ محاصرات ضمن واقع اقتصادي صعب، دون أفق واضح للتحسن.
أزمة تمتد إلى المزارعين
في المقابل، يعترف مزارعون بتدني أجور العاملات، لكنهم يربطون ذلك بارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، من محروقات ومبيدات، إضافة إلى المخاطر المستمرة مثل الحرائق والآفات، وغياب أي تعويضات أو دعم حكومي فعّال.
هذا الواقع دفع العديد منهم إلى تقليص المساحات المزروعة، ما انعكس سلباً على فرص العمل المتاحة، وزاد من هشاشة وضع العاملات.
حلقة الأضعف في منظومة متأزمة
في ظل غياب القوانين التي تنظم العمل الزراعي وتحمي حقوق العاملين، تبقى النساء الحلقة الأضعف، حيث يتحملن عبء تراجع القطاع الزراعي دون أي ضمانات أو حماية قانونية.
وفي أفضل الأحوال، لا يتجاوز دخل العاملة الشهرية نحو 600 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ لا يكفي لتأمين الحد الأدنى من المعيشة.
ومع محدودية تدخل الجهات المعنية وضعف البرامج الداعمة للنساء، يخيّم القلق على مستقبل العاملات، اللواتي يخشين أن تحمل الأيام القادمة ظروفاً أكثر قسوة وأجوراً أدنى، في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والمعيشية في المنطقة.