لم يعد الحضور التركي في الاقتصاد السوري يقتصر على المناطق الحدودية أو على حركة التبادل التجاري التقليدية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز ملامح المشهد الاقتصادي السوري. فمع تراجع الإنتاج المحلي، وضعف القدرة الصناعية، ورفع جزء من العقوبات الغربية، وعودة النشاط التجاري عبر المعابر، أخذت الصادرات التركية تتدفق بوتيرة متسارعة، حتى باتت تركيا الشريك التجاري الأول لسوريا من حيث الواردات في العديد من القطاعات.
وتكشف أحدث بيانات مجلس المصدرين الأتراك أن صادرات تركيا إلى سوريا خلال النصف الأول من عام 2026 بلغت 1.284 مليار دولار، بزيادة 26.4% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، فيما ارتفعت الكميات المصدرة بنسبة 36.6% لتصل إلى أكثر من 3.18 ملايين طن من السلع والمنتجات.
هذه الأرقام تطرح سؤالاً جوهرياً: هل أصبحت تركيا مهيمنة على الاقتصاد السوري، أم أنها تملأ فقط الفراغ الذي خلفته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي؟
أرقام تعكس توسعاً غير مسبوق
تظهر البيانات أن أبرز الصادرات التركية إلى سوريا شملت:
منتجات المطاحن: 103.9 ملايين دولار.
الأسمنت ومواد البناء: 102.3 مليون دولار.
المعدات الكهربائية والطاقة: 80.1 مليون دولار.
إضافة إلى الأغذية والملابس والمواد البلاستيكية والآليات وقطع الغيار والمنتجات الكيميائية.
كما استحوذت منطقة جنوب شرقي الأناضول وحدها على نحو 462 مليون دولار من هذه الصادرات، ما يؤكد أن الاقتصاد الحدودي التركي بات يعتمد بصورة متزايدة على السوق السورية.
ويرى مراقبون أن هذه الزيادة ليست مؤقتة، إذ سبق أن ارتفعت الصادرات التركية إلى سوريا خلال عام 2025 بنحو 70%، وفق تصريحات مسؤولين في مجلس المصدرين الأتراك، مع توقعات باستمرار النمو خلال الأعوام المقبلة.
لماذا تتفوق تركيا؟
لا يرتبط صعود الصادرات التركية فقط بقوة الاقتصاد التركي، بل بمجموعة من العوامل داخل سوريا، أبرزها:
تراجع الإنتاج الصناعي والزراعي نتيجة الحرب.
خروج آلاف المصانع من الخدمة.
انخفاض القدرة الشرائية والإنتاجية للقطاع الخاص.
سهولة وصول البضائع التركية عبر الحدود البرية.
انخفاض تكاليف النقل مقارنة بالاستيراد من أسواق أخرى.
تشابه المواصفات الاستهلاكية بين السوقين.
ويرى خبراء اقتصاد أن المستورد السوري يبحث غالباً عن السلعة الأرخص والأسرع وصولاً، وهو ما تمنحه المنتجات التركية مقارنة بالبدائل الأوروبية أو الآسيوية.
هل تهيمن تركيا على الاقتصاد السوري؟
لا يمكن القول إن تركيا تسيطر على الاقتصاد السوري بالكامل أو تتحكم به كما تشاء، لأن الاقتصاد السوري ما زال يتأثر بعوامل عديدة، منها السياسات الحكومية، والعقوبات، وسعر الصرف، والدعم الخارجي، والاستثمارات العربية المحتملة، إضافة إلى العلاقات التجارية مع دول أخرى.
لكن يمكن القول إن تركيا أصبحت تمتلك نفوذاً اقتصادياً واسعاً في قطاعات محددة، للأسباب التالية:
تعد من أكبر موردي السلع إلى سوريا.
يعتمد جزء كبير من الأسواق السورية على المنتجات التركية.
تؤثر تغيرات سعر الليرة التركية وتكاليف الإنتاج التركية في أسعار كثير من السلع داخل سوريا.
تلعب المعابر الحدودية دوراً حاسماً في حركة التجارة.
تتمتع الشركات التركية بقدرة تنافسية يصعب على المنتج المحلي مجاراتها حالياً.
وبالتالي فإن وصف الوضع بـ”الهيمنة المطلقة” سيكون مبالغاً فيه، بينما تبدو عبارة “نفوذ اقتصادي واسع ومتزايد” أكثر دقة من الناحية الاقتصادية.
الصناعة السورية… الخاسر الأكبر؟
يشير أصحاب منشآت صناعية إلى أن تدفق البضائع المستوردة يضع الصناعة المحلية أمام منافسة غير متكافئة.
فالمنتج السوري يواجه:
ارتفاع أسعار الكهرباء.
تكاليف نقل مرتفعة.
نقص التمويل.
صعوبة الحصول على المواد الأولية.
ضعف القدرة على التصدير.
في المقابل، تدخل منتجات مستوردة بكميات كبيرة وأسعار أقل، ما يجعل المصانع السورية عاجزة عن المنافسة في كثير من الأحيان.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار هذا الواقع قد يحول سوريا إلى سوق استهلاكية تعتمد على الاستيراد أكثر من الإنتاج، وهو ما يوسع العجز التجاري ويحد من فرص خلق الوظائف.
ماذا تستفيد تركيا؟
من الناحية الاقتصادية، تحقق تركيا عدة مكاسب:
توسيع أسواق صادراتها.
دعم مصانع الولايات الحدودية.
زيادة حركة النقل والشحن.
توفير فرص عمل مرتبطة بالتجارة الخارجية.
تعزيز نفوذها الاقتصادي في المنطقة.
كما أن إعادة تشغيل المعابر الحدودية بكامل طاقتها وربط النظام المصرفي السوري تدريجياً بالنظام المالي الدولي قد يمنح الشركات التركية فرصاً أكبر للدخول إلى السوق السورية والاستثمار فيها.
هل يمكن أن يتغير المشهد؟
يرى خبراء أن النفوذ الاقتصادي لأي دولة ليس ثابتاً، بل يرتبط بقدرة الاقتصاد المحلي على التعافي.
وفي حال نجحت سوريا في:
إعادة تشغيل المصانع.
جذب استثمارات عربية وأجنبية.
إصلاح القطاع المصرفي.
تحسين بيئة الأعمال.
دعم الإنتاج المحلي.
فإن الاعتماد على الواردات التركية قد يتراجع تدريجياً، لتصبح العلاقة التجارية أكثر توازناً.
أما إذا استمرت الفجوة الإنتاجية الحالية، فمن المرجح أن تزداد حصة السلع التركية في الأسواق السورية خلال السنوات المقبلة.
بين الحاجة والمخاطر
يؤكد اقتصاديون أن البضائع التركية أسهمت في سد نقص كبير في الأسواق السورية، ومنعت حدوث أزمات في توفر العديد من السلع الأساسية، وهو جانب إيجابي للمستهلك.
لكن في المقابل، فإن الاعتماد المفرط على مصدر واحد للاستيراد يحمل مخاطر استراتيجية، إذ يجعل السوق السورية أكثر عرضة لتقلبات العلاقات السياسية، وإجراءات الحدود، وأسعار الصرف، وأي تغيرات في الاقتصاد التركي نفسه.
تشير المؤشرات إلى أن تركيا أصبحت الشريك التجاري الأكثر حضوراً في السوق السورية، وأن نفوذها الاقتصادي يتوسع بوتيرة متسارعة بفضل القرب الجغرافي، وقوة القاعدة الصناعية التركية، وضعف الإنتاج المحلي السوري.
ومع ذلك، فإن وصف هذا الواقع بأنه سيطرة كاملة على الاقتصاد السوري لا يستند إلى أدلة اقتصادية كافية، لأن الاقتصاد لا يُقاس بحجم الصادرات وحدها، بل بمن يحدد السياسات النقدية والمالية، ومن يملك الاستثمارات الاستراتيجية، ومن يتحكم بمصادر الطاقة والقطاع المصرفي والبنية الإنتاجية.
الأقرب إلى الواقع أن سوريا تشهد اليوم اعتماداً تجارياً متزايداً على تركيا، وهو اعتماد يمنح أنقرة نفوذاً اقتصادياً مؤثراً، لكنه لا يرقى حتى الآن إلى التحكم الكامل بالاقتصاد السوري. ويبقى مستقبل هذا النفوذ مرتبطاً بقدرة سوريا على استعادة إنتاجها المحلي وتنويع شركائها التجاريين، بما يحقق توازناً يحمي الاقتصاد الوطني من الارتهان لأي طرف خارجي.