لكل السوريين

كدح النساء في الحقول.. عرقٌ يروي القطن وقصص الصمود

السوري ـ الرقة

 بين خيوط القطن البيضاء الممتدة على مدّ النظر، تتناثر قصص نساءٍ يعملن بصمتٍ وكدّ، يحملن على أكتافهن مسؤولية إعالة أسرهن في ظل ظروفٍ اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة. فمع بدء موسم جني القطن في مناطق شمال وشرق سوريا، تتحول الحقول إلى مسرحٍ يوميٍّ لكفاحٍ طويل يبدأ مع خيوط الفجر الأولى ولا ينتهي إلا مع غروب الشمس.

في كل صباح، تخرج النسوة وهنّ يحملن أكياسهن الكبيرة وأدواتهن البسيطة، يسابقن الوقت لجمع أكبر قدر ممكن من القطن قبل أن تشتد حرارة النهار. إنه عملٌ شاق يتطلب انحناءة دائمة بين الصفوف، وتحمّل لساعاتٍ طويلة من التعب تحت أشعة الشمس، لكن الحاجة أقوى من الإرهاق، فكل كيلوغرامٍ يُقطف يعني لقمة خبز لأطفالٍ ينتظرون في البيوت.

تقول عائشة الأحمد وهي امرأة خمسينية من ريف الرقة: “أعمل في لقط القطن منذ سنوات، تعب كبير لكن لا خيار لنا. نبدأ من الفجر ونعود مع الغروب، لا لترفٍ ولا لهواية، بل لنسدّ الرمق ونحافظ على كرامتنا.” تضيف وهي تمسح عرقها بيدها الخشنة: “الرجال كثير منهم بلا عمل، والأسعار نار، لذلك النساء صرنَ يتحملن العبء الأكبر”.

العمل في الحقول لا يقتصر على النساء الكبار فقط، بل يشارك فيه فتياتٌ شابات وحتى بعض الأطفال في بعض المناطق، بحثاً عن مورد رزق يساعد العائلة في مواجهة موجة الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة. ورغم الجهد الكبير الذي يتطلبه جمع القطن، إلا أن الأجور تبقى متدنية مقارنةً بحجم التعب، ما يجعل من هذا العمل مثالاً صارخاً على هشاشة واقع العمل الزراعي في المنطقة.

النساء العاملات في الحقول لا يواجهن فقط مشقة الجهد الجسدي، بل أيضاً تحدياتٍ صحية ناجمة عن التعرض الطويل لأشعة الشمس والغبار، إضافةً إلى غياب وسائل النقل المريحة وظروف العمل الآمنة. ومع ذلك، تستمر هؤلاء النسوة في عملهن بإصرارٍ يعكس روح الصمود والاعتماد على الذات التي باتت سمةً للمجتمع الريفي في شمال وشرق سوريا.

وتشير بعض الإحصاءات المحلية إلى أن نسبة كبيرة من الأيدي العاملة في موسم جني القطن هي من النساء، خاصة في المناطق التي تأثرت بالنزوح أو فقدان المعيل. إذ تتحول الحقول إلى فضاءٍ جماعيٍّ يجتمعن فيه، لا للعمل فقط، بل لتبادل الهموم وتقاسم التعب والأمل.

وفي ظل كل تلك المعاناة، يبقى الأمل هو ما يدفع هؤلاء النساء للاستمرار. فكل حبة قطن تُقطف بعرق الجبين هي شهادة على قوة الإرادة الأنثوية وقدرتها على مواجهة قسوة الحياة. فهؤلاء النسوة، وهن يجمعن القطن من بين الشجيرات البيضاء، يجمعن معه أيضاً ما تبقّى من كرامتهن وصبرهن، ليصنعن من عرقهن حياةً تليق بالعزّة والكفاح.

هكذا تظل الحقول شاهدةً على قصةٍ تتكرر كل موسم، عنوانها “كدح النساء وصبرهن” وجوهرها أن الأمل لا يموت طالما بقيت هناك نساءٌ يسقين الأرض بعرق الجبين، ويروين خيوط القطن بدموع العزيمة والإصرار.

 

- Advertisement -

- Advertisement -