لكل السوريين

تركيا وإسرائيل: بين الصراع المعلن والتخادم الخفي

رئاسة التحرير

منذ تفجّر الثورة السورية عام 2011، تحوّل المشهد الإقليمي إلى مسرحٍ تتقاطع فيه المشاريع والأطماع القديمة بثوبٍ جديد، ترفع فيه الدول المتدخّلة شعارات براقة عن الأمن القومي والاستقرار الإقليمي، فيما تخفي في باطنها نزعاتٍ توسعية تستند إلى إرثٍ إمبراطوري أو ديني أو قومي. وفي مقدّمة هذه الدول تقف تركيا وإسرائيل، طرفان يظهران في خطاباتهما العلنية على طرفي نقيض، بينما تجمعهما في العمق مصالح استراتيجية مشتركة وأهداف مترابطة، تتجاوز حدود سوريا لتطال مجمل موازين القوة في الشرق الأوسط.

أولًا: تركيا بين خطاب الأتاتوركية وحنين العثمانية

لم تفلح قرابة مئة عام من “الجمهورية الكمالية” في محو الحنين العثماني من الوعي التركي، بل إن حزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى الحكم عام 2002 أعاد لهذا الحنين بريقه، مغلفًا بشعارات “النهضة التركية” و”الاستقلال السياسي والاقتصادي”. إلا أن هذه الشعارات تخفي خلفها مشروعًا توسعيًا يعتمد على التمدّد الناعم في المحيط العربي والإسلامي تحت ذريعة حماية الأمن القومي ومناصرة الشعوب المظلومة.

فأنقرة، التي تُعلن دعمها للشعوب الثائرة ضد الاستبداد، لم تتردد في خوض تدخلات عسكرية مباشرة في الشمال السوري والعراقي، متذرعة بخطر التنظيمات الكردية، بينما الحقيقة أن الوجود العسكري التركي يتجاوز البعد الأمني إلى بعدٍ جيوسياسي يسعى لترسيخ نفوذ دائم في الجغرافيا السورية. ومن خلال سلسلة عملياتها العسكرية — من “درع الفرات” إلى “نبع السلام” — نجحت تركيا في تكريس مناطق نفوذ تابعة لها إداريًا واقتصاديًا وأمنيًا، في مشهد يعيد إلى الأذهان سياسة “الولايات العثمانية” التي كانت تمتد من الأناضول إلى بلاد الشام.

ثانيًا: تركيا وإسرائيل… صراعٌ على السطح، وتخادمٌ في العمق

يبدو في الظاهر أن العلاقات التركية–الإسرائيلية تعيش توترًا دائمًا، تغذّيه تصريحات حادة بين القادة، خصوصًا مع تبادل الاتهامات بشأن القضية الفلسطينية وسوريا. غير أن قراءة متأنية لمسار العلاقات بين البلدين تكشف عن نمطٍ من “الصراع التكتيكي” الذي لا يلبث أن يتحول إلى “تخادمٍ استراتيجي”، حيث تتقاطع المصالح عند حدودٍ واضحة: تقويض الدولة السورية، وإعادة تشكيل الخريطة السياسية بما يتناسب مع مصالح الطرفين.

فإسرائيل، التي تسعى منذ عقود لتأمين حدودها الشمالية والسيطرة على الجولان والجنوب السوري، تجد في تفكك الدولة السورية فرصةً ذهبية لتوسيع نفوذها دون خوض مواجهة شاملة. وفي المقابل، ترى تركيا في هذا الانهيار فرصةً لإجهاض الطموحات الكردية وإقامة منطقة نفوذ تمتد حتى حلب والرقة، تضمن لها ورقة ضغطٍ دائمة في أي تسوية مستقبلية.

وهكذا، يصبح التنافس بين الجانبين مجرد تبادل أدوار: إسرائيل تضرب في الجنوب، وتركيا تتمدد في الشمال، والنتيجة واحدة — إضعاف الدولة السورية وتفكيك نسيجها الاجتماعي والجغرافي.

ثالثًا: البعد التاريخي للطموح الإمبراطوري

ما يجمع بين تركيا وإسرائيل ليس فقط المصالح الآنية، بل وحدة المنطلقات التاريخية. فتركيا تستلهم مجد الإمبراطورية العثمانية التي حكمت العالم العربي قرونًا، بينما تستمد إسرائيل مشروعها من الأسطورة التوراتية عن “أرض الميعاد” الممتدة من النيل إلى الفرات. وكلا المشروعين يتغذى على الذاكرة الدينية والتاريخية لتبرير التوسع والسيطرة.

تتحدث أنقرة عن “العمق الإستراتيجي” و“مسؤوليتها تجاه الميراث العثماني”، بينما تتحدث تل أبيب عن “الحق التاريخي للشعب اليهودي” في أرض الميعاد. ومن هنا، يمكن فهم الصراع التكتيكي بينهما بوصفه غطاءً لتفاهمٍ أعمق على إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة بما يضمن مصالح الإمبراطوريتين الجديدتين — العثمانية المستعادة والصهيونية المتجددة.

رابعًا: سوريا.. مسرح التنافس والتقاسم

تشكل الساحة السورية النموذج الأوضح لهذا التخادم؛ فبينما ترفع تركيا شعار حماية الأمن القومي من الخطر الكردي، تعمل في الوقت نفسه على توطين فصائل موالية لها، وتغيير ديموغرافية المناطق الحدودية، وفرض مناهج تعليمية تركية في المدارس، في محاولة لتكريس هوية هجينة تمهد لضمٍّ غير معلن.

أما إسرائيل، فتواصل ضرباتها الجوية المركزة على مواقع الجيش السوري وحلفائه، تحت ذريعة منع التموضع الإيراني، لكنها في الواقع تستهدف إبقاء الجنوب السوري هشًّا ومفتوحًا أمام مشاريعها. وهكذا، تتكامل الأدوار: تركيا تسيطر على الشمال، وإسرائيل تضعف الجنوب، والدولة السورية تُستنزف بينهما.

خامسًا: نقد الدور التركي – ازدواجية الخطاب وتناقض الممارسة

المفارقة الأبرز في السياسة التركية تكمن في ازدواجية الخطاب: فهي ترفع لواء الدفاع عن قضايا المسلمين وتهاجم إسرائيل في المحافل الدولية، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على علاقات تجارية وأمنية متنامية معها. فالتبادل التجاري بين أنقرة وتل أبيب تجاوز مليارات الدولارات سنويًا، في الوقت الذي تُغلق فيه الحدود بوجه اللاجئين السوريين وتُشنّ العمليات ضدهم داخل أراضيهم.

تركيا التي تتحدث عن “دعم فلسطين” تستضيف في المقابل تدريبات عسكرية مشتركة مع إسرائيل والولايات المتحدة في البحر المتوسط، وتُبقي سفاراتها مفتوحة في تل أبيب رغم كل التصعيد اللفظي. إنها سياسة “المفارقة المحسوبة” التي يتقنها صانع القرار التركي: خطاب ديني شعبوي للاستهلاك الداخلي والعربي، يقابله سلوك براغماتي مصلحي مع القوى الغربية والإسرائيلية.

سادسًا: التخادم الإستراتيجي… ما بعد سوريا

إن أخطر ما في العلاقة التركية–الإسرائيلية ليس تنافسهما على الأرض السورية، بل توافقهما الضمني على إدارة الصراع الإقليمي بما يضمن استمرار الفوضى الخلّاقة التي تعيد رسم خرائط النفوذ. فكلاهما يدرك أن انهيار الدولة السورية الكاملة يخدم مصالحهما المشتركة: يفتح الباب أمام تركيا لاستعادة نفوذها في المشرق، ويتيح لإسرائيل تثبيت احتلالها وتوسيع حدودها الأمنية.

وهكذا، يتحول الصراع الظاهري إلى غطاءٍ لتبادل المصالح، تتغذى عليه مشاريع التوسع الإمبراطوري في المنطقة. وما لم تتشكل إرادة إقليمية عربية موحدة تواجه هذين المشروعين، فإن سوريا ستبقى ساحة استنزافٍ مفتوحة، والعالم العربي سيظل رهينة لصراعات الآخرين على أرضه.

خاتمة

إن العلاقة بين تركيا وإسرائيل لا يمكن اختزالها في تبادل الشتائم أو المناوشات الإعلامية، لأنها في جوهرها علاقة مصلحية مركبة، تقوم على “صراعٍ محسوبٍ” يهدف إلى تحقيق مكاسب استراتيجية دون مواجهة مباشرة. كلا الطرفين يستثمر في الفوضى السورية، وكلاهما يحلم باستعادة مجده التاريخي على حساب الدول الضعيفة.

الاختبار الحقيقي أمام العرب اليوم ليس في اكتشاف هذه الحقائق، بل في قدرتهم على صياغة مشروعٍ إقليمي مضاد، يُعيد للعالم العربي وزنه المفقود، ويمنع تحوّله إلى رقعة شطرنجٍ تتقاذفها الأطماع الإسرائيلية والتركية في آنٍ واحد.

- Advertisement -

- Advertisement -