لكل السوريين

مصياف والتبغ المنسي… مزارعون بين نار المصاريف وجليد الإهمال

تنتشر مساحات واسعة من الحقول المزروعة بالتبغ في ريف مصياف غربي حماة وسط سوريا، وهي الصورة التقليدية التي ارتبطت بالريف السوري منذ عقود، لكنها اليوم تحمل قصصًا مختلفة تمامًا. المزارعون الذين اعتادوا على العمل منذ الفجر حتى الغروب يواجهون تحديات كبيرة، تتجاوز الطبيعة والطقس لتصل إلى التكاليف الباهظة للإنتاج، والإهمال شبه الرسمي، وغياب أي خطط واضحة لدعم القطاع أو حماية المزارعين.

في أحد الحقول بالقرب من مصياف، يقف جمال، مزارع في منتصف الخمسينات من عمره، متأملًا أوراق التبغ التي تنتظر القطاف، ويقول بصوت مليء بالقلق: “كل عام نتعرض لنفس المشكلة، ارتفاع التكاليف وانخفاض الأسعار، ولا أحد يعوضنا عن خسائرنا. لا تسعير رسمي، لا خطة واضحة من وزارة الزراعة، ونحن فقط نحاول البقاء على قيد الحياة.” جمال يزرع التبغ منذ أكثر من ثلاثين عامًا، ويؤكد أن زراعة هذا المحصول أصبحت اليوم عبئًا ماليًا أكثر منها مصدر دخل مضمون.

تكاليف الإنتاج تتضاعف سنويًا، من الأسمدة والمبيدات إلى أدوات الري والعمالة الموسمية، ومع ذلك فإن أسعار التبغ لا تتبع أي منطق اقتصادي، حسب قول المزارعين. مصطفى، شاب في الثلاثينات يعمل مع والده في الحقل، يشرح: “نشتري كل شيء بأسعار مرتفعة، من الشتلات إلى الأسمدة، ومع ذلك لا يوجد تسعير رسمي للمنتج. نبيع التبغ بأسعار السوق الحرة، وأحيانًا لا نغطي حتى نصف التكاليف.”

الإهمال المؤسسي يضاعف المعاناة، حسب العديد من المزارعين. يقول حسن، مزارع آخر: “وزارة الزراعة تكتفي بالإحصاءات الرسمية، ولكن على الأرض لا يوجد أي دعم حقيقي. لا دورات تدريبية، لا مراقبة للمحاصيل، ولا خطط لتعويض الخسائر في حال تلف المحصول بسبب الأمراض أو الجفاف. نحن وحدنا من يتحمل المسؤولية كاملة.”

العديد من المزارعين يؤكدون أن غياب خطة واضحة للتسويق يضعهم في موقف صعب أمام التجار، الذين يتحكمون في الأسعار ويستغلون حاجة المزارعين لبيع محصولهم بسرعة. إبراهيم، مزارع من مصياف، يروي: “التاجر يحدد السعر الذي يناسبه، ونحن مضطرون لقبول ما يعرضه، وإلا يبقى المحصول في الحقل ويتلف. لا يوجد أي حماية قانونية أو تسعير رسمي يساعدنا على تخطي هذه المرحلة.”

الأضرار الاقتصادية لا تقتصر على المزارعين، بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي للمنطقة، إذ ينعكس ضعف القطاع الزراعي على سوق العمل في الريف وعلى حجم الاستثمارات الصغيرة المرتبطة بزراعة التبغ، مثل محلات بيع الأدوات الزراعية ومراكز تعبئة التبغ.

ومع ذلك، يصر بعض المزارعين على الاستمرار، معتقدين أن التبغ هو جزء من تراثهم وحياتهم اليومية. سعاد، مزارعة في مصياف، تقول: “نحن نزرع التبغ منذ سنوات طويلة، رغم الصعوبات، لأنه مصدر دخلنا الوحيد. حتى لو كانت الأرباح ضئيلة، نحاول المضي قدمًا لنحافظ على أرضنا وعملنا.”

الخبراء الزراعيون يشيرون إلى أن زراعة التبغ في مصياف تعاني من قصور كبير في الدعم الحكومي، وأن القطاع بحاجة إلى استراتيجية شاملة تتضمن تسعيرًا عادلًا، دعمًا ماليًا للمزارعين، برامج تدريبية، وخططًا لمواجهة الأمراض والظروف المناخية الصعبة. الدكتور سامر الحسن، مختص في الزراعة بجامعة حماة، يقول: “التبغ محصول مهم اقتصاديًا للريف السوري، لكن استدامته تعتمد على دعم حقيقي من الدولة. بدون تسعير عادل أو تعويض عن الخسائر، سيستمر المزارعون في تحمل الأعباء بمفردهم، وهذا قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج أو التخلي عن المحصول كليًا.”

الأزمة ليست مالية فقط، بل ترتبط أيضًا بالعوامل الاجتماعية، فالكثير من الشباب في الريف يرفضون العمل في زراعة التبغ بسبب الجهد الكبير مقابل الأرباح القليلة، ما يزيد الضغط على العائلات التي تعتمد على هذا المحصول كمصدر رئيسي للدخل.

في الوقت نفسه، هناك دعوات من المزارعين لإنشاء جمعيات تعاونية لإدارة إنتاج التبغ بشكل أفضل، والتفاوض مع التجار بشكل جماعي للحصول على أسعار أكثر عدلاً. محمد، مزارع في ريف مصياف، يؤكد: “إذا اتحدنا كمزارعين، يمكننا فرض شروط أفضل على السوق، ونحمي أنفسنا من استغلال التجار. ولكن إلى الآن، لا توجد أي جهود حقيقية لتنظيم هذا القطاع.”

يبقى المزارعون في مصياف بين نار التكاليف وجليد الإهمال، يحاولون بكل جهدهم إنتاج محاصيلهم في ظروف صعبة، معتمدين على خبرتهم وتجاربهم الطويلة، بينما يصرخون مطالبين بتسعير عادل، بتعويض عن الخسائر، وبخطة واضحة لدعم هذا القطاع الحيوي، الذي يمثل جزءًا أساسيًا من اقتصاد الريف السوري وتراثه الزراعي.

ختامًا، زراعة التبغ في مصياف اليوم ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي صورة صادقة لمعاناة المزارع السوري، الذي يواصل العمل رغم الظروف الصعبة، مطالبًا بالعدالة والدعم والاعتراف بأهمية جهوده، حتى يتمكن من الاستمرار والحفاظ على مصدر رزقه وأرضه في وجه غياب السياسات الواضحة والإهمال المؤسسي.

- Advertisement -

- Advertisement -