لكل السوريين

من خان “الجمرك” إلى خان “الزيت”.. رحلة في عمق الذاكرة المعمارية لدمشق

في قلب دمشق العتيقة، حيث تتنفس الأزقة عبق التاريخ، وتختلط رائحة البخور بأصوات الحرفيين، تقف الخانات شاهدةً على حضارةٍ سكنت الحجر ونبضت في وجدان المكان. من خان “الجمرك” إلى خان “الزيت”، يمتد شريط من الذاكرة الحية التي تحفظ وجهاً من وجوه دمشق المشرقة، المدينة التي تتكلّم بلغة الشعر وتتنفّس من شغاف الجمال.

هنا، لا تحتاج الأمكنة إلى مَن يروي حكاياتها، فهي تروي نفسها بلغةٍ منقوشة على جدرانها، وبنقوشٍ تحاكي أنامل الفنّان المبدع الذي أودع في كلّ قوسٍ وزاويةٍ قصيدةً من الرخام والحجر. تلك الخانات ليست مجرّد أبنية قديمة، بل هي قصائد عمرانية نُظمت على وزن التاريخ، تروي حكاية شعبٍ ترك أثره العميق في مسيرة الإنسانية، وتظلّ شواهدها قائمة رغم تعاقب الأزمنة وتبدّل الدول، كأنها ترفض أن تنزاح عن صفحة المجد.

وها هي دمشق، المدينة التي لا يطالها النسيان، تعود لتسطع من جديد على صفحات التاريخ الإنساني، مضمخةً بعبق الأصالة ومفعمةً بروح الإبداع. فتراثها الغني وأصالتها الراسخة تحوّلا إلى نهرٍ متدفق، يغذّي روافد الحضارة الإنسانية كلّها، ويعيد صياغة الذاكرة بلغة الفنّ والدهشة. في شوارعها القديمة وأسواقها المزدحمة بالروائح والألوان، تتجسّد تلك الروح التي لا تهرم، وتلك العلاقة الحميمة بين المكان والإنسان، بين الحجر والوجدان.

خان “الجمرك”.. ذاكرة التجارة والعمران

في جولةٍ أجراها فريق “دمشق قديمة” لموقع “eSyria” بتاريخ 18 نيسان 2009، انطلقت الحكاية من أسواق “البزورية” و“مدحت باشا”، حيث ينبض التاريخ في كل منعطف، وهناك كان اللقاء الأول مع خان الجمرك، أحد أبرز الشواهد على روعة العمارة الدمشقية في عصرها الذهبي.

يقع هذا الخان بالقرب من خان “المرادية”، وبابه يطل على سوق “القلبقجية”. كان فيما مضى مركزاً للجمارك، ولهذا سُمّي بـ“خان الجمرك”. أما تاريخه فيعود إلى أوائل القرن السابع عشر، إذ شُيّد بين عامي 1608 و1609 في عهد والي دمشق مراد باشا أفندي شلهوب، الذي أراده مركزاً تجارياً يعكس ازدهار المدينة آنذاك. تملّكه لاحقاً الوالي “مراد باشا”، ثم انتقلت ملكيته إلى “ديمتري” في عام 1864 بعد أن كان بيد “شمعايا أفندي”.

يقول السيد نبيل عبد السلام، أحد تجار الأقمشة المقيمين في الخان:

“يُعدّ خان الجمرك من أجمل خانات دمشق، يتميز بهندسة فريدة وزخارف متقنة، تدلّ على عبقرية البنّائين والمعماريين في ذلك العصر. أما اليوم، فيُستخدم الخان كمركز لتجارة الأقمشة النسائية الفاخرة، محتفظاً برونقه رغم مرور القرون.”

خان “المرادية”.. قِباب تروي الزمن

ومن خان الجمرك، تمتدّ الرحلة نحو خان “المرادية” الكائن في محلة “باب البريد”، بواجهتين تطلان على سوق “الحميدية” وسوق “الحرير”. شُيّد هذا الخان في عام 1596 بأمرٍ من مراد باشا أيضاً، ضمن مشروعٍ عمراني ضخم تضمن بناء سوق الطوافية وقبة عظيمة عند مربعة باب البريد. ما يميّزه اليوم هو قربه من أعمدة معبد جوبيتر القديمة، التي لا تزال قائمةً كأنها جسر بين زمنين.

في باحته الواسعة ينتصب حمّام كبير كان في الماضي مقصد التجار والمسافرين بعد رحلات طويلة، يجسّد مفهوم الراحة والرفاه في العمارة الشرقية.

خان “قطنا”.. أو خان “الصابون”

خلال جولتنا، أشار السيد نبيل إلى خانٍ ثالث يستحق الزيارة، هو خان قطنا، الذي يُعرف أيضاً بخان “الصابون” لكونه كان مقصداً لتجار الصابون في القرون الماضية. يقع الخان بين خان الجمرك وخان المرادية، وبابه يفتح على سوق القلبقجية، جنوب الجامع الأموي الكبير، مقابل خان “الحرمين”.

بُني الخان عام 1593 على يد موسى بن قطان، وتبلغ مساحته نحو 659 متراً مربعاً. يضمّ طابقاً علوياً مغطّى بـ11 قبة وعدداً من الغرف يصل إلى ثلاثين غرفة تقريباً. واليوم، تحوّل هذا الصرح العريق إلى سوقٍ للألبسة النسائية الحريرية، يجمع بين رقيّ الماضي وأناقة الحاضر.

خان “التتن”.. عراقة الحرفة ودفء الحجر

تابعنا رحلتنا نحو خان “التتن”، وهو الاسم الذي اشتُقّ من الكلمة التركية “تتن” أي التبغ. يقع الخان إلى الجنوب من الجامع الأموي، ويفتح بابه على سوق السلاح. التقينا هناك بالسيد وليد المصري، أحد أقدم تجار العبايات في المنطقة، الذي قال:

“يُعتقد أن الخان كان في الماضي مركزاً لتجارة التبغ، وقد شُيّد في القرن الثامن عشر بثلاث قباب، الوسطى منها مغلقة بينما القبّتان الجانبيتان مفتوحتان. يضم الخان اليوم ورشاً حرفية ومحالّ ومخازن، ويتألف من نحو 72 غرفة، يتخلّلها ضوء ناعم ينساب من فتحات زجاجية صغيرة في الأسقف.”

خان “الزيت”.. عبق الماضي بين أقواسٍ من نور

ومن سوق “مدحت باشا” الشهير، قادتنا خطواتنا إلى آخر محطات الرحلة: خان الزيت. هناك، يتداخل عبق الماضي مع صخب الحاضر في مشهدٍ معماريّ يأسر العين والروح معاً.

يقع الخان في الجهة الشمالية من سوق مدحت باشا، على بُعد نحو أربعين متراً من خان “الجقمق”. يُرجّح أن بناءه يعود إلى القرن السادس عشر، على يد حسن باشا السياغوشي أو الوالي غوشي. يتميّز الخان بأقواسه النصف دائرية البديعة التي تستند إلى أعمدة حجرية متناوبة بين الأسود والأبيض، في مشهدٍ دمشقيّ أصيل.

يتكوّن الخان من طابقين، يضمّ ما بين أربعين وخمسين غرفة، كانت في الماضي مخصّصة لتجارة الزيت، أما اليوم فقد أصبحت موطناً للحرفيين الذين يعملون في المهن اليدوية مثل صناعة العُقَل والمطّاط وزخرفة الطاولات الخشبية، محافظين بذلك على روح الحرفة الدمشقية الأصيلة.

دمشق.. حين يتحدث الحجر شعراً

من خانٍ إلى آخر، ومن قوسٍ إلى قبة، تتكشّف أمامنا ملامح دمشق كما لم نرها من قبل؛ مدينةٌ تحوّل فيها المعمار إلى لغةٍ تتحدث عن الجمال، وتتحوّل الأزقة إلى أبياتٍ من قصيدةٍ كُتبت بحروف الضوء والظل.

إنها رحلةٌ من الماضي إلى الحاضر، تجسّد فيها العمارة روح الحضارة، وتحوّل المكان إلى ذاكرة نابضة، تحفظ حكاية الإنسان الذي بنى وأبدع وخلّد اسمه على جدران الزمن.

- Advertisement -

- Advertisement -