درعا/ رجاء مختار
تواجه مدينة درعا في جنوب سوريا واقعاً معقداً فيما يتعلق بالمساحات العامة والحدائق التي كانت لسنوات طويلة المتنفس الوحيد للعائلات والأطفال والشباب. فمنذ عقود، عانت المدينة من ضعف البنية التحتية للترفيه، لكن سنوات الحرب وما رافقها من دمار وإهمال وتراجع في الخدمات العامة جعلت هذه المشكلة أكثر وضوحاً، حتى باتت المساحات الخضراء في درعا شبه غائبة أو غير قابلة للاستخدام، ما يخلق ضغطاً اجتماعياً متزايداً، خاصة في ظل نمو سكاني مستمر وحاجة أكبر إلى الأماكن المفتوحة بعد سنوات من الظروف الصعبة.
ورغم أن درعا تمتلك تاريخياً عدداً من المتنزهات الصغيرة المنتشرة في أحيائها، إلا أن معظمها اليوم يعاني من الإهمال الشديد. فالعشب اليابس، المقاعد المحطمة، ألعاب الأطفال المتهالكة، والإنارة الضعيفة أو المقطوعة، باتت مشاهد عادية في حدائق المدينة. حتى الأشجار التي زرعت قبل عقود أصبحت بحاجة إلى عناية لم تصلها منذ سنوات. هذا الإهمال حوّل الحدائق من فضاءات للراحة واللعب إلى مناطق مهجورة، لا يرتادها إلا القليل، وغالباً في ساعات النهار فقط، خوفاً من ضعف الإضاءة وغياب عناصر الأمان.
ويشير العديد من سكان المدينة إلى أن مشكلة الحدائق ليست جديدة، لكنها تفاقمت مع غياب الإمكانيات البلدية وتراجع التمويل الخاص بالصيانة العامة، إضافة إلى موجات النزوح الداخلي التي أدت إلى زيادة الضغط السكاني على أحياء محددة، ما جعل الحاجة إلى مساحات خضراء أكثر إلحاحاً.
ويقول أحد سكان حي السحاري: “كنا نخرج إلى الحديقة القديمة لنمضي وقتاً مع الأطفال، لكن اليوم لم يبقَ شيء يمكن أن يجذب العائلة. أصبحت الحديقة مكاناً مهملاً، وكأنها قطعة أرض بلا صاحب”. هذه الشكوى تتكرر في معظم أحياء المدينة، خاصة في درعا البلد التي تلفها آثار الحرب وما زالت تعاني من ضعف كبير في البنى التحتية.
ولعل من أبرز مظاهر الأزمة أن الأطفال في درعا باتوا يقضون أغلب أوقات لعبهم في الشوارع الضيقة أو أمام المنازل، وهو ما يسبب مشاكل اجتماعية وأمنية. فغياب الأماكن المخصصة للعب يعني أن الأطفال يختلطون مع حركة المرور، ما ينتج عنه مخاطر يومية، إضافة إلى ضجيج يرهق العائلات.
تقول أم يوسف من حي طريق السد: “ليس لدينا مكان نأخذ أطفالنا إليه. الحديقة القريبة مهملة، والألعاب مكسورة. نتركهم يلعبون في الشارع، لكن هذا ليس حلاً”. هذا الواقع يخلق ضغطاً على الأسر التي تبحث عن أي مساحة تتيح لأطفالها الترفيه الآمن، في وقت تتراجع فيه المبادرات المحلية لتنظيف أو إعادة تأهيل الحدائق نتيجة ضعف الإمكانيات وقلة التنظيم.
ومن الجوانب الأخرى التي تفاقم المشكلة غياب المساحات الترفيهية الكبيرة التي يمكن أن تستقطب الشباب. فليس في درعا سوى عدد محدود جداً من المراكز الثقافية أو الأندية الرياضية، ومعظمها يعمل بقدرات محدودة. وهذا الغياب يدفع الكثير من الشباب إلى قضاء أوقاتهم في المقاهي أو بين الأزقة، ما يزيد من مشكلات الفراغ والبطالة.
في حديث مع شاب من درعا المحطة، يقول: “نحن لا نملك أي متنفس. لا حدائق منظمة، ولا ملاعب مجانية، ولا مساحات شبابية. حتى مجرد الجلوس مع الأصدقاء يحتاج مكاناً آمناً وهادئاً غير متوفر”. هذه العبارة تكشف مقدار التحديات التي تواجه الفئات الشابة في مدينة تحتاج إلى إعادة تخطيط اجتماعي وثقافي يعيد لها الحياة المدنية الطبيعية.
وتتضاعف أهمية الحدائق والمساحات العامة في مدينة مثل درعا التي شهدت صدمات متتالية خلال السنوات الماضية. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج أكثر من غيرها إلى أماكن تجمع وتفاعل وتهوية نفسية، وهذا ما تفتقده المدينة اليوم. إذ تشير تجارب دول عديدة مرت بصراعات إلى أن إعادة تأهيل المساحات العامة كان جزءاً أساسياً من عملية التعافي المجتمعي، لأنها تساعد الناس على استعادة جزء من حياتهم الطبيعية. أما في درعا، فما يزال هذا الجانب مهملاً أو مؤجلاً في ظل أولويات أخرى تتعلق بالكهرباء والمياه والبنى التحتية الأساسية.
وتحمل قصص الأهالي الكثير من التفاصيل الدقيقة التي تبرز أهمية القضية. فـ أبو راشد، وهو رجل في الخمسين من عمره، يقول إنه كان يأخذ أولاده قبل الحرب كل مساء إلى إحدى الحدائق المجاورة، بينما اليوم يخرج وحده في الصباح الباكر ليمشي قرب ساحة قديمة مهملة. “المدينة تغيرت كثيراً”، يقول. “كان الناس يلتقون في الحدائق ويتبادلون الأخبار. اليوم أصبحت الشوارع أكثر ازدحاماً والناس أقل اجتماعاً. المساحات الخضراء كانت جزءاً من حياتنا، واختفاؤها ترك فراغاً في الروح قبل أن يتركه في المكان”.
وتشير بعض المبادرات الفردية إلى رغبة السكان في تحسين الوضع، لكن هذه الجهود تبقى محدودة وغير قادرة على تعويض غياب خطة حقيقية من الجهات المسؤولة. إذ يحتاج ملف الحدائق إلى تنظيم، وتمويل، ومتابعة، وتعاون بين بلدية درعا والمجتمع المحلي، إضافة إلى دعم خارجي في بعض الأحيان لإنشاء أماكن ترفيهية جديدة أو تأهيل الحدائق الحالية. فقد أصبحت بعض الأحياء ذات كثافة سكانية مرتفعة دون أي متنفس عام، وهذا الوضع ينعكس على مستوى التوتر الاجتماعي وارتفاع الضغط النفسي لدى السكان.
وبين الإهمال المستمر، وضيق المساحات، وارتفاع عدد الأطفال والشباب الذين يحتاجون أماكن للعب والراحة، تصبح درعا اليوم أمام ضرورة ملحّة لإعادة الاعتبار للحدائق والمناطق الترفيهية. فهذه المساحات ليست رفاهية، بل حاجة اجتماعية وصحية ونفسية لأي مدينة تسعى إلى إعادة بناء استقرارها الداخلي. وإلى أن تتحسن الظروف ويبدأ العمل الجدي على هذا الملف، سيبقى سكان المدينة يتنقلون بين الشوارع الضيقة والحدائق المهجورة، بانتظار أن تعود درعا كما كانت يوماً: مدينة تشبه أهلها، بنبضها الأخضر ومساحاتها التي تتسع للجميع.