لكل السوريين

طريق الموت بين حمص ودمشق.. حكايات تنزف على الإسفلت

على الطريق الدولي الممتد بين حمص ودمشق، لا يحتاج المسافر إلى كثير من الخيال ليشعر أنّه يسير على خيطٍ رفيع بين الحياة والموت. فكلّ لوحة تحذير، وكلّ أثر فراملٍ أسود على الإسفلت، يحكي قصةً عن وجعٍ جديد، وعن عائلةٍ كانت في طريقها إلى بيتها، لكنها لم تصل.

في فجرٍ بارد من تشرين، كانت أمجد، وهو شاب في الخامسة والعشرين من عمره، يقود سيارته الصغيرة من حمص متجهاً إلى دمشق حيث يعمل في ورشة نجارة بمنطقة القدم. الطريق كان شبه خالٍ، والضباب يلفُّ المكان، لكن أمجد لم يكن يتوقع أن آخر ما سيراه في حياته هو الضوء الأبيض لشاحنةٍ خرجت عن مسارها عند جسر قارة. بعد دقائق، كان جسده مسجّى إلى جانب الطريق، والسيارة تحوّلت إلى كومة من الحديد الملتوي. لم يكن أمجد وحده ضحية تلك الليلة، فقد سبقه كثيرون، وتلته قصصٌ أكثر مرارة.

بحسب إحصاءاتٍ رسمية من فرع المواصلات الطرقية بحمص، فإن الطريق الدولي بين حمص ودمشق – بطول يقارب مئةٍ وسبعين كيلومتراً – يشهد حوادث شبه يومية، تتراوح بين صداماتٍ بسيطة وانقلاباتٍ مميتة. المهندس فادي النجار، مدير فرع المواصلات، يقول إن الطريق يُعدّ من أكثر الطرق حيوية في سوريا، فهو شريان النقل التجاري بين الشمال والجنوب، لكنه في الوقت نفسه بات “نقطة ضعف قاتلة” بسبب تآكل طبقاته الإسفلتية، وضيق بعض المقاطع التي لم تُوسَّع منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

ويضيف النجار أن المؤسسة تنفّذ صيانة دورية “قدر المستطاع”، إلا أنّ ضعف الموازنات المخصَّصة، وغلاء مواد الزفت والإسمنت والحديد، يجعل الإصلاحات أقرب إلى الترميم المؤقت منها إلى المعالجة الجذرية. ويشير إلى أنّ بعض المقاطع، مثل “منعطف قطينة” و“نقطة جسر الرستن”، تُعرف بين السائقين بـ“المناطق الحمراء” لكثرة ما شهدته من حوادث قاتلة.

الطريق سيّئ بلا شك، لكنّه ليس الجاني الوحيد. يقول المساعد رامي الصالح من شرطة الطرق العامة إن أغلب الحوادث التي يتعاملون معها سببها السرعة الزائدة أو تجاوز المركبات في المنعطفات الخطرة. يروي الصالح حادثةً مؤلمة وقعت قبل أسابيع: “شاب يقود دراجة نارية بسرعة كبيرة تجاوز شاحنةً عند جسر تلبيسة، فانزلقت الدراجة واصطدم رأسه بالحاجز المعدني. توفي على الفور. كان يرتدي خوذة، لكنها لم تكن مربوطة.”

من جهته، يرى يوسف، وهو سائق بولمان يسلك الطريق يومياً منذ خمسة عشر عاماً، أنّ غياب الرقابة الصارمة أسهم في تفاقم المشكلة. يقول: “أحياناً ترى شاحنات تنقل إسمنت أو خضار بحمولة مضاعفة. السائق يتعب، والطريق لا يرحم. عند المنعطفات، الشاحنة نفسها تترنّح وكأنها ستهوي فوقك.” ويضيف أنّ بعض السائقين الجدد، ممن حصلوا على رخصهم حديثاً، “لا يدركون خطورة القيادة الطويلة، فيقودون وهم مرهقون أو منشغلون بالهاتف.”

مديرية النقل في حمص أطلقت مؤخراً حملة بعنوان “رحلتك إلينا غالية”، ووضعت لوحات إلكترونية تحذيرية على مداخل الطريق، تذكّر السائقين بربط الحزام وعدم التجاوز في المنعطفات. المهندسة هدى جبر، المشرفة على الحملة، تقول إن الهدف هو “زرع ثقافة الوعي قبل فوات الأوان”، مشيرةً إلى أن الحملات الميدانية لا تكفي إن لم تترافق مع تشديد في تطبيق القانون. “حين يدرك السائق أنّ تجاوز السرعة سيكلّفه غرامة حقيقية، أو سحب رخصة، عندها فقط يبدأ بالتفكير مرتين قبل أن يضغط دواسة البنزين.”

في استراحة صغيرة قرب جسر تلدو، جلس أبو ناصر، سائق شاحنة قديم، يحتسي الشاي ويتنهد: “هذا الطريق أكل عمرنا. كل يوم نودع حداً من الشباب.” يروي أنه قبل عامٍ واحد، انقلبت شاحنة خضار أمامه بعد أن حاول سائقها تجاوز باص في منحدر “المشرفة”، فتدحرجت على السفح، وامتلأت الأرض بالبندورة والدم. “ركضنا نحاول نساعد، بس ما عاد في شي نعمله. الله يرحمه.”

على بعد بضعة كيلومترات، عند حاجز “قارة”، تقف دورية شرطة الطرق تراقب حركة السير. الرائد أكرم دياب يؤكد أن الدوريات تعمل على مدار الساعة، لكن “الإمكانات محدودة، والطريق طويل، والحوادث أسرع مما نتوقع.” ويشير إلى أن الكاميرات المقترحة لمراقبة السرعة لم تُركّب بعد بسبب كلفتها العالية، رغم أهميتها في الردع.

وأجمع أهالي وسائقون على ضرورة توسيع الطريق بإضافة مسرب ثالث في الاتجاهين، وتجديد طبقة الزفت بالكامل، إضافةً إلى تركيب إنارة بالطاقة الشمسية في المقاطع المعتمة، ووضع عاكسات أرضية وشاخصات تحذيرية مضيئة، لاسيّما عند المنعطفات والجسور والمداخل الفرعية.

يقول المهندس النجار إن مشروع التأهيل الكامل للطريق مطروح منذ سنوات، لكن التمويل اللازم “لم يكتمل بعد”. ويضيف بحزن: “نحن نُصلح ما يمكن إصلاحه، لكنّ الدماء التي تُراق يومياً على هذا الطريق تفوق كل الموازنات.”

الطريق بين حمص ودمشق ليس مجرّد خط أسفلتي يربط مدينتين، بل هو ذاكرة يتحرّك فوق جراحه. كلّ سيارة تمرّ عليه تحمل قصةً، وكلّ كيلومتر فيه يختزن دعاء أمٍّ، وقلق أب، وأمل سائقٍ يريد فقط أن يصل بسلام. لكن حتى يتحقّق ذلك، لابدّ من إرادةٍ جادّة لإعادة الحياة إلى هذا الشريان الذي تحوّل إلى نزيفٍ مفتوح، قبل أن يستيقظ الناس ذات صباحٍ ليجدوا أن عدّاد الموت قد تجاوز حدود الاحتمال.

- Advertisement -

- Advertisement -