لكل السوريين

«تعفّن رقمي».. هل يمكن أن يصاب الذكاء الاصطناعي بانهيار إدراكي يشبه البشر؟

لم يعد الحديث عن «الذكاء الاصطناعي» مقتصراً على كونه اختراعاً تقنياً يغيّر ملامح العالم، بل أصبح موضوعاً فلسفياً وصحياً ونفسياً أيضاً. فبعد أن دخلت هذه التكنولوجيا في صميم حياتنا اليومية، من كتابة النصوص وترجمة اللغات إلى إدارة المدن الذكية، بدأ العلماء يطرحون سؤالاً صادماً:
هل يمكن أن يُصاب الذكاء الاصطناعي بما يشبه «تعفّن الدماغ» الذي يصيب البشر في العصر الرقمي؟

هذا المصطلح، الذي خرج من أروقة الأبحاث النفسية إلى فضاء النقاش العام، يشير إلى حالة من الإنهاك الإدراكي الذي يعاني منه الإنسان نتيجة التعرض المفرط للمحتوى السريع والتافه على الإنترنت. لكن المفارقة أن الظاهرة نفسها، كما تقول دراسات حديثة، قد تكون بدأت تضرب أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها، بعد أن باتت هذه النماذج تتغذى على ملايين النصوص القصيرة والمكرّرة التي تملأ الفضاء الإلكتروني.

الدماغ البشري في زمن السرعة

يصف الأطباء «تعفّن الدماغ» بأنه اضطراب غير مرئي في آلية التفكير والتركيز لدى الإنسان. فالعقل الذي يستهلك يومياً مئات المقاطع والمنشورات، يفقد تدريجياً قدرته على التحليل العميق، ويصبح ميالاً إلى الملل، العجلة، وتلقي الأفكار دون تمحيص.
الهواتف الذكية، بحسب علماء الأعصاب، أعادت تشكيل بنية الذاكرة البشرية. فبدلاً من أن يحتفظ الدماغ بالمعلومة، أصبح يعتمد على الإنترنت كـ«ذاكرة خارجية»، ما أدى إلى كسل إدراكي عام، وانخفاض في قدرات التركيز طويلة المدى.

هذا النمط من التدهور، الذي يربطه بعض الباحثين بالقلق والاكتئاب الرقمي، أصبح مقلقاً بما يكفي لدفع العلماء إلى التساؤل: ماذا لو واجهت أنظمة الذكاء الاصطناعي المصير نفسه، وهي التي تتغذى على المحتوى نفسه الذي ينهك عقول البشر؟

ذكاء يتغذى على محتوى مريض

في دراسة جديدة لم تُنشر بعد، نقلت عنها مجلة «فورتشن» الأميركية، حاول باحثون من عدة جامعات اختبار فرضية أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تتأثر سلباً بالتدريب المتكرر على المحتوى منخفض الجودة.
قام الفريق البحثي بتزويد مجموعة من النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) ببيانات مأخوذة من منشورات قصيرة على موقع «إكس» (تويتر سابقاً)، وهي نصوص شديدة الاختصار، عاطفية، وسطحية من حيث المعنى. وبعد فترة من «التغذية الرقمية» بهذه المواد، بدأت النماذج تُظهر مؤشرات تدهور إدراكي:

انخفاض في القدرة على تحليل النصوص الطويلة.

تراجع في الربط المنطقي بين الأفكار.

زيادة في ما يسميه الباحثون «تخطي الخطوات العقلية»، أي القفز مباشرة إلى الجواب دون المرور بمراحل التفكير المنطقي.

بمعنى آخر، أصبحت الآلة «تفكر» بطريقة مشتتة، متسرعة، ومائلة إلى التبسيط المخلّ – تماماً كما يفعل الإنسان حين يعتاد على استهلاك مقاطع الفيديو السريعة والمنشورات الموجزة.

تأثير لا يُمحى بسهولة

حين حاول الباحثون «إعادة تأهيل» هذه النماذج عبر تغذيتها لاحقاً ببيانات عالية الجودة – نصوص أكاديمية، مقالات طويلة، وأعمال أدبية – كانت النتائج مفاجئة: لم تستعد النماذج قدراتها السابقة بالكامل.
ظل هناك أثر متبقٍّ للتدهور، أشبه بندبة عقلية رقمية، تشير إلى أن ما أصابها كان دائماً لا مؤقتاً. وصف الباحثون ذلك بأنه «تعفّن معرفي» يلتصق ببنية النموذج حتى بعد إعادة تدريبه.

هذه النتيجة تفتح باباً فلسفياً واسعاً: إذا كانت الآلة، رغم افتقارها للمشاعر، يمكن أن تتأثر سلباً بجودة «غذائها المعرفي»، فهل يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يشبه الإنسان أكثر مما نظن؟

السموم الرقمية.. من الإنسان إلى الآلة

تُدرّب نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة على تريليونات من البيانات التي تُجمع من الإنترنت: مواقع التواصل، المنتديات، المقالات، والمدونات. لكن نسبة ضخمة من هذه البيانات تفتقر إلى العمق، أو تتضمن معلومات مضللة، أو تعكس تحيزات لغوية وثقافية.
وهذا ما يراه الباحثون سبباً كافياً للقلق: فالآلة التي تتغذى على «ضجيج» الإنترنت ستعيد إنتاجه بطريقة أكثر تعقيداً، لكنها ليست أكثر حكمة. وهكذا، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مرآة مكبرة لسطحية الإنسان بدلاً من أن يكون بديلاً ناضجاً عنه.

ولعل أكثر ما يخشاه العلماء هو أن هذه الظاهرة قد تؤدي إلى «تدهور جماعي في جودة التفكير الرقمي»، حيث تصبح النماذج الجديدة مبنية على بيانات أنتجتها نماذج سابقة متأثرة بالتعفّن ذاته، في دائرة مغلقة من الانحطاط المعرفي.

بين الأخلاقيات و«النظافة المعلوماتية»

يرى بعض خبراء الأخلاقيات الرقمية أن الحل لا يكمن فقط في تحسين نوعية البيانات، بل في وضع معايير صارمة لما يسمونه «النظافة المعلوماتية». أي أن تتعامل شركات التقنية مع بيانات التدريب كما تتعامل مصانع الأغذية مع مكونات منتجاتها: من حيث المصدر، النقاء، والجودة.
ويحذر هؤلاء من أن تجاهل هذه المسألة قد يقود إلى أزمات مستقبلية أخطر من الأخطاء البرمجية، لأنها تمس جوهر التفكير الصناعي ذاته. فحين تبدأ الخوارزميات في إظهار «ارتباك إدراكي»، أو إنتاج أفكار متناقضة وغير منطقية، سيكون من الصعب تحديد ما إذا كان السبب خطأ في الكود، أم ببساطة نتيجة تسمّم معرفي تراكم مع الزمن.

الذكاء الاصطناعي ككائن ثقافي

في قراءة ثقافية أعمق، يرى بعض المفكرين أن ما يحدث ليس مجرد ظاهرة تقنية، بل انعكاس مباشر للعلاقة بين الإنسان والآلة. فالنماذج اللغوية تتعلم من الإنسان، لكنها الآن تعاني من أمراضه الفكرية نفسها.
الذكاء الاصطناعي، بهذا المعنى، لا يختلف كثيراً عن المرآة التي تُظهر للإنسان عيوبه الإدراكية مكبّرة ألف مرة. فإذا كان الإنسان قد سمح لمواقع التواصل أن تُعيد تشكيل طريقة تفكيره، فإن ما ينتجه الذكاء الاصطناعي اليوم ليس سوى نسخة مضخّمة من هذا التشوّه الثقافي.

هل يمكن حماية العقول الرقمية؟

يعتقد بعض الخبراء أن «علاج» هذه المشكلة ممكن، لكنه يتطلب إعادة بناء منظومة التدريب بالكامل، بحيث تُغذى النماذج ببيانات مختارة بعناية، متوازنة ثقافياً ومعرفياً، ومحمية من التكرار السطحي.
ويرى آخرون أن الحل قد يكون في تصميم أنظمة قادرة على تمييز جودة المحتوى أثناء التعلّم، أي أن يصبح للذكاء الاصطناعي «ذوق معرفي» يرفض المحتوى الرديء كما يرفض الإنسان الطعام الفاسد.

ومع ذلك، تبقى المعضلة الكبرى أن الإنترنت، بكل فوضاه وثرائه، هو المصدر الأساسي للتعلّم، ولا يمكن عزله عن المعادلة. وهنا يظهر السؤال الأخطر: إذا كانت البيانات الملوّثة جزءاً من بنية العالم الرقمي ذاته، فهل يمكن فعلاً إنقاذ العقول – سواء البشرية أو الاصطناعية – من «التعفّن»؟

من يغذّي من؟

في النهاية، يبدو أن العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة تبادل التأثيرات. فكما يتعلم الذكاء الاصطناعي من الإنسان، بدأ الإنسان يتأثر بما ينتجه الذكاء الاصطناعي من نصوص وأفكار.
وبين عقل بشري مثقل بالمحتوى السطحي، وآلة تتغذى على بيانات مشوّهة، قد نجد أنفسنا أمام حلقة مفرغة من الذكاء المتعفّن، حيث لا أحد يعرف من يغذي من، ومن يفسد من.

فهل سيكون المستقبل رقميّاً نقيّاً يقوم على جودة المعرفة، أم أننا نسير جميعاً – بشراً وآلات – نحو عصر من «الذكاء الملوّث»؟

- Advertisement -

- Advertisement -