لكل السوريين

تعليق المجلس الأعلى السوري اللبناني… خطوةٌ رمزيّاً أم إعادة نفوذاً بوجهٍ جديداً؟

رغم الانسحاب الرسمي للجيش السوري من لبنان عام 2005، فإن النفوذ السوري لم يتراجع تماماً، بل استمر عبر قنوات غير رسمية وشبكات اقتصادية وأمنية وسياسية معقدة. لم يكن الوجود العسكري سوى أحد أوجه التأثير، أما الوجه الآخر فاستمر من خلال ما يُعرف بمؤسسات الظل التي شكلت امتداداً لنفوذ دمشق داخل الساحة اللبنانية بوسائل أكثر مرونة وأقل وضوحاً.

يُعد «المجلس الأعلى السوري اللبناني» أبرز هذه المؤسسات، إذ تأسس في إطار معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق الموقعة بين البلدين عام 1991، وكان بمثابة قناة رسمية وغير رسمية في آن واحد، تربط أجهزة الدولة اللبنانية بنظيراتها السورية عبر لجان تنسيق أمني واقتصادي وسياسي. وبعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، ظل هذا المجلس رمزاً لعصر الوصاية، رغم تراجع دوره العلني وبقاء تأثيره في خلفية المشهد.

وفي مطلع تشرين الأول 2025، أعلنت السلطات اللبنانية تجميد العمل بالمجلس الأعلى السوري اللبناني، في خطوة وُصفت بأنها «رمزية أكثر من كونها عملية». فقد أكدت مصادر رسمية أن التنسيق مع دمشق سيستمر ضمن القنوات الدبلوماسية العادية عبر وزارتي الخارجية في البلدين، بينما اعتبرت أوساط سياسية لبنانية أن هذا القرار جاء استجابة لضغوط داخلية تهدف إلى إنهاء أي مظاهر تشير إلى وصاية سورية سابقة.

ورغم الترحيب الظاهري بهذا القرار من بعض القوى السياسية اللبنانية، فإن محللين يرون أن تعليق المجلس لا يعني نهاية النفوذ السوري، بل قد يشكل بداية لإعادة تنظيمه بشكل جديد أكثر انسجاماً مع المرحلة الراهنة. فالتشابكات السياسية والاقتصادية بين البلدين ما زالت قائمة، والتنسيق الأمني في ملفات مثل الحدود واللاجئين والمخدرات لا يمكن أن يتوقف بقرار إداري أو بيان صحفي.

من وجهة نظر دمشق، يُنظر إلى الخطوة على أنها محاولة لتخفيف الحساسية التاريخية في العلاقة مع بيروت وإعادة صياغة التعاون بما يتناسب مع المتغيرات الإقليمية، خصوصاً في ظل سعي سوريا لتطبيع علاقاتها مع الدول العربية واستعادة مكانتها في جامعة الدول العربية. أما في بيروت، فإن القرار يُقرأ بوصفه محاولة من الحكومة لتأكيد استقلال القرار اللبناني، خصوصاً في ظل الضغوط الشعبية والسياسية لإعادة تعريف العلاقة مع سوريا بعد سنوات من الاضطراب.

لكن وراء هذا المشهد الرسمي، ما زالت قنوات التواصل غير المعلنة بين البلدين قائمة، من خلال رجال أعمال وشخصيات سياسية لبنانية مقربة من دمشق، إضافة إلى شبكات اقتصادية تنشط في مجالات التجارة والطاقة والنقل البري. وتشير تقارير إعلامية إلى أن هذه الشبكات تشكل في الواقع «مؤسسات ظل» تؤدي الدور ذاته الذي كان يلعبه المجلس الأعلى، ولكن من دون مظلة رسمية أو رقابة برلمانية واضحة.

ويحذر خبراء لبنانيون من أن غياب إطار قانوني واضح للعلاقة مع سوريا يفتح الباب أمام استمرار هذه القنوات الموازية، ما يجعل القرار بتجميد المجلس خطوة رمزية لا أكثر. فالقوانين اللبنانية لم تُعدّل بعد لإلغاء المعاهدة التي أنشأت المجلس، كما أن الأمانة العامة للمجلس لا تزال قائمة نظرياً ولم تُحل بالكامل، ما يعني أن إمكانية إعادة تفعيله تبقى مفتوحة في أي وقت إذا اقتضت الظروف السياسية.

من جانب آخر، يشير مراقبون إلى أن النفوذ السوري في لبنان لم يعد قائماً فقط عبر القنوات الرسمية أو المخابراتية كما في الماضي، بل أصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً. فدمشق اليوم تتعامل مع لبنان عبر تحالفات سياسية متغيرة، وشبكات مصالح اقتصادية تمتد بين رجال أعمال من الطرفين، إلى جانب حضورها في ملفات حساسة مثل عودة اللاجئين السوريين والتجارة الحدودية والطاقة. هذه الملفات تمنح دمشق أدوات تأثير فعالة في الداخل اللبناني، حتى من دون وجود مؤسسات رسمية مشتركة.

في المقابل، يرى بعض المحللين أن تعليق المجلس الأعلى يشكل خطوة ضرورية على طريق بناء علاقة ندّية بين البلدين، بعيداً عن لغة الوصاية. فلبنان اليوم يحاول استعادة قراره السيادي وتنظيم علاقاته مع سوريا بما يضمن المصالح المشتركة من دون الخضوع لأي نفوذ سياسي مباشر. غير أن نجاح هذا المسار يتطلب رؤية لبنانية موحدة تجاه دمشق، وهو ما لا يبدو متوفراً حالياً في ظل الانقسام الداخلي حول شكل العلاقة المستقبلية.

ويؤكد حقوقيون لبنانيون أن استمرار مؤسسات الظل أو القنوات غير الرسمية يشكل تحدياً لمبدأ الشفافية والمساءلة، إذ يسمح بتمرير صفقات وتفاهمات بعيداً عن المؤسسات الشرعية، ما يضعف الدولة اللبنانية ويجعلها عرضة لتأثيرات خارجية. ويرون أن الخطوة الحقيقية لا تقتصر على تعليق المجلس الأعلى، بل على وضع إطار قانوني واضح وعلني ينظم العلاقات بين البلدين وفق المعايير الدبلوماسية المتعارف عليها.

في المحصلة، فإن قرار تعليق المجلس الأعلى السوري اللبناني يحمل طابعاً سياسياً أكثر منه إدارياً. هو رسالةٌ رمزيّاً تهدف إلى طيّ صفحةٍ من التاريخ المشترك المثقل بالوصاية، لكنه لا يغير حقيقة استمرار نفوذ دمشق في لبنان عبر شبكاتٍ متشابكةٍ من المصالح والعلاقات. وبينما تسعى الحكومتان إلى إعادة تعريف التعاون بينهما، يبقى السؤال المطروح: هل يمكن فعلاً فصل السياسة عن النفوذ في علاقةٍ تمتد جذورها لعقودٍ من التشابك والاعتماد المتبادل؟ أم أن مؤسسات الظل ستبقى حاضرةً، ولكن بأسماءٍ وواجهاتٍ جديدةً؟

- Advertisement -

- Advertisement -