حماة/ جمانة الخالد
في بلدة مصياف الهادئة، التي تطل على جبال وسهول ريف حماة، يعاني السكان من مشكلة مزمنة يعرفها الجميع: انقطاع الإنترنت المتكرر وضعف خدمته. فبينما أصبح العالم يعتمد على الشبكة العنكبوتية في كل شيء، من العمل إلى التعليم وحتى التواصل الاجتماعي، تظل مصياف تعاني من اتصال هش لا يتحمل أبسط المتطلبات. قصص الأهالي هنا تكشف حجم المعاناة اليومية، وكيف أن انقطاع الإنترنت ليس مجرد إزعاج عابر، بل أزمة حقيقية تؤثر على حياتهم بأكملها.
كان محمد، طالب الهندسة في جامعة حماة، يحاول بكل جهده متابعة محاضراته عبر الإنترنت بعد أن أصبح التعليم عن بُعد خياراً إجبارياً في بعض الأحيان. لكن كل محاولاته كانت تتحطم أمام واقع الانقطاع المتكرر للإنترنت. يتذكر بمرارة اليوم الذي كان فيه يقدم امتحاناً مهماً، وفجأة انقطع الاتصال قبل أن يكمل الإجابة. حاول الاتصال بمشغل الخدمة، لكن الرد الآلي كان يقول له: “هناك عطل فني، نعمل على إصلاحه في أقرب وقت”. لم يكن هذا “الوقت القريب” قريباً أبداً، فقد ظل الإنترنت معطلاً لأكثر من يومين، مما كلفه فرصة الحصول على درجة جيدة. يقول محمد: “كنا نعتقد أن الإنترنت سيسهل علينا الدراسة، لكنه في مصياف جعلها كابوساً”.
أما أم علي، التي تعمل في الخياطة وتنوي بيع منتجاتها عبر الإنترنت لتحسين دخل أسرتها، فكانت تحلم بفتح صفحة على فيسبوك لعرض أعمالها. لكن سرعة الإنترنت البطيئة جعلت تحميل الصور مستحيلاً. كلما حاولت رفع صورة لفستان جديد، كان الاتصال ينقطع أو يستغرق ساعات. تقول وهي تغالب شعورها بالإحباط: “حتى عندما أتمكن من الاتصال، السرعة بطيئة لدرجة أنني لا أستطيع إرسال رسالة دون أن تتقطع عشر مرات”. تحول حلمها في توسيع عملها إلى معاناة يومية، حيث أصبحت تضيع وقتها في انتظار اتصال مستقر بدلاً من تطوير مشروعها.
ولم تكن المشكلة تقتصر على الأفراد فقط، بل طالت حتى المحلات والمقاهي التي توفر خدمة الـ “واي فاي” للزبائن. يشتكي أبو يوسف، صاحب مقهى إنترنت صغير في البلدة، من أن الزبائن أصبحوا يتراجعون بسبب سوء الخدمة. “كان الناس يأتون إلى المقهى للتواصل مع أبنائهم في الخارج أو لإنجاز معاملاتهم، لكن الآن، حتى فتح صفحة بسيطة على Google أصبح أمراً صعباً”، يقول أبو يوسف بحسرة. لقد خسر الكثير من زبائنه لأن الإنترنت في منطقته غير موثوق به، والشركة المزودة للخدمة لا تقدم أي حلول جذرية.
وفي حي آخر، يعاني أحمد، الذي يعمل في مجال الترجمة عن بُعد، من خسائر مادية بسبب تعطل الإنترنت المفاجئ. يتذكر مرة كان عليه تسليم مشروع مهم لعميل أجنبي، وفجأة انقطع الإنترنت لثلاثة أيام متتالية. حاول استخدام بيانات الهاتف، لكن التغطية في منطقته ضعيفة، ولم يتمكن من إرسال العمل في الموعد المحدد. نتيجة لذلك، خسر العميل وسمعته المهنية تأثرت. يقول أحمد: “في مدن أخرى، الإنترنت حق أساسي، أما هنا فهو رفاهية لا يمكن الاعتماد عليها”.
لكن ربما أكثر القصص إيلاماً هي قصة الطفلة سارة، التي كانت تحاول متابعة دروسها عبر منصة التعليم الحكومية خلال فترة تعليق المدارس. كانت تقف أمام منزل جارها كل يوم، تحاول التقاط إشارة “واي فاي” ضعيفة، فقط لتتمكن من تحميل الدروس. في الأيام الممطرة، كانت تعود إلى بيتها خائبة لأن الانقطاع يصبح أسوأ. والدها، الذي لا يستطيع تحمل تكاليف شبكة إنترنت أفضل، يشعر بالعجز أمام معاناة ابنته. “كيف نطلب من أطفالنا أن يتعلموا إذا كنا لا نستطيع حتى توفير اتصال مستقر بالإنترنت؟” يتساءل بحزن.
المشكلة في مصياف ليست فقط في انقطاع الإنترنت، بل في غياب الحلول الجذرية. فالكثيرون يتساءلون: لماذا تظل الخدمة سيئة رغم مرور السنوات؟ لماذا لا يتم تحسين البنية التحتية؟ البعض يلوم المشغلين على عدم صيانة الشبكات، والبعض الآخر يعتقد أن المشكلة تعود إلى الإهمال الحكومي للمناطق الريفية. في النهاية، يبقى الأهالي عالقين في دائرة من الانتظار واليأس، حيث كل وعود التحسين تتبخر مع أول انقطاع جديد.
لا يزال سكان مصياف يحلمون بيوم يصبح فيه الإنترنت خدمة موثوقة، كالماء والكهرباء. لكن حتى ذلك الحين، تبقى معاناتهم مع الاتصال المتقطع شاهدة على فجوة رقمية تزداد اتساعاً بين الريف والمدن. ففي عالم يتجه نحو الرقمنة في كل شيء، يبدو أن مصياف وأمثالها من البلدات الريفية تُترك خلف الركب، تعاني في صمت، وتكافح فقط للحصول على أبسط حقوقها في عصر التكنولوجيا.