لم يكن خروج منتخب سوريا لكرة القدم تحت 20 عاماً من تصفيات كأس آسيا 2027 مجرد نتيجة لثلاث مباريات في طشقند، بل جاء ليعيد إلى الواجهة أسئلة أعمق حول واقع كرة القدم السورية في الفئات العمرية، وآليات بناء المنتخبات، وطريقة إعداد اللاعبين قبل الاستحقاقات القارية.
واحتل المنتخب السوري المركز الثالث في المجموعة الثانية برصيد 3 نقاط، خلف أوزبكستان المتصدرة بـ9 نقاط والهند بـ6 نقاط، بعدما حقق فوزاً واحداً على بنغلادش بثلاثة أهداف دون رد، مقابل خسارتين أمام الهند بهدف نظيف وأوزبكستان بثلاثية نظيفة.
وجاء الإقصاء رغم أن نظام التصفيات هذا العام يمنح فرصاً واسعة للتأهل، إذ تتأهل إلى النهائيات المنتخبات المتصدرة للمجموعات، إلى جانب أفضل سبعة منتخبات تحتل المركز الثاني، فضلاً عن الصين المضيفة.
بداية صعبة أضاعت هامش المناورة
يمكن اعتبار الخسارة أمام الهند في المباراة الافتتاحية العامل الأقرب في حسابات الإقصاء. فالمنتخب السوري دخل الجولة الثانية من دون نقاط، بينما كانت الهند قد حصدت ثلاث نقاط، قبل أن ينجح منتخبنا في تجاوز بنغلادش بثلاثية نظيفة.
لكن الفوز على بنغلادش لم يكن كافياً، لأن المنتخب السوري كان بحاجة إلى نتيجة إيجابية أمام أوزبكستان في الجولة الأخيرة، وهي مهمة صعبة أمام صاحب الأرض الذي دخل المباراة وهو متصدر للمجموعة، قبل أن يؤكد تفوقه بالفوز 3-0.
وهنا يظهر أحد الأسباب المباشرة للخروج: المنتخب لم يحصد نقاطاً في مواجهتيه مع المنافسين المباشرين، الهند وأوزبكستان، بينما جاء انتصاره الوحيد أمام المنتخب الذي أنهى المجموعة في المركز الأخير.
المشكلة ليست في مباراة أوزبكستان وحدها
من السهل تحميل الخروج لخسارة المباراة الأخيرة، لكن قراءة المشوار كاملاً تقود إلى نتيجة مختلفة.
فالمنتخب كان مطالباً منذ المباراة الأولى بإظهار قدرته على المنافسة، إلا أنه خسر أمام الهند بهدف دون رد. وبعدها حقق الفوز المطلوب على بنغلادش، لكنه لم يستطع البناء عليه في المواجهة الحاسمة أمام أوزبكستان.
كما أن فارق الأهداف يعطي صورة إضافية؛ فقد سجل المنتخب السوري 3 أهداف واستقبل 4، مقابل تسجيل أوزبكستان 9 أهداف من ثلاث مباريات، واستقبالها هدفاً واحداً فقط. أما الهند فسجلت 7 أهداف واستقبلت هدفاً واحداً.
هذه الأرقام لا تعني وحدها أن المشكلة هجومية أو دفاعية، لكنها تؤكد وجود فارق في الفاعلية والاستقرار بين المنتخب السوري والمنافسين الأساسيين.
الإعداد موجود.. لكن السؤال في نوعيته
قبل التصفيات، خاض المنتخب معسكرات تحضيرية في البحرين وسلطنة عُمان، وتضمنت التحضيرات مباريات ودية، من بينها مواجهتان أمام البحرين انتهتا بخسارتين بهدف دون رد، إضافة إلى مباراتين أمام عُمان. كما أشارت تقارير الإعداد إلى تركيز الجهاز الفني على تطوير بناء الهجمات وإنهائها بصورة أكثر فاعلية.
وهذا يعني أن الحديث عن غياب التحضير بصورة مطلقة ليس دقيقاً. المشكلة الأهم تبدو في مدى كفاية هذا التحضير لبناء منتخب قادر على المنافسة الآسيوية، وليس مجرد الاستعداد لخوض المباريات.
فالتحضير القصير قبل البطولة يستطيع تحسين الجاهزية، لكنه لا يستطيع وحده معالجة مشكلات تراكمت خلال سنوات في اكتشاف المواهب، وتطوير المدربين، ومنح اللاعبين دقائق لعب منتظمة، وبناء منظومة فنية موحدة للفئات العمرية.
السبب البعيد.. أزمة إنتاج اللاعب قبل أزمة المنتخب
منتخب تحت 20 عاماً هو في نهاية المطاف انعكاس لما أنتجته الأندية والأكاديميات خلال السنوات السابقة.
وعندما يصل اللاعب إلى هذه الفئة العمرية، يصبح من الصعب تعويض سنوات النقص في التدريب الفردي، والجانب البدني، والقراءة التكتيكية، والتعامل مع الضغط والمباريات القوية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا خسر منتخب الشباب؟
بل: كيف تم إعداد هؤلاء اللاعبين خلال السنوات التي سبقت وصولهم إلى المنتخب؟
إن بناء لاعب قادر على منافسة منتخبات مثل أوزبكستان والهند يبدأ في عمر مبكر، عبر مسابقات منتظمة للفئات العمرية، ومدربين مؤهلين، ومراقبة مستمرة للمواهب، وإتاحة الفرصة للاعبين الصغار للمشاركة مع فرقهم الأولى عندما يكونون جاهزين.
الاستقرار الفني.. عامل لا يمكن تجاهله
المنتخب يقوده المدرب الهولندي آرنو بويتنويغ، الذي تولى الإشراف على الفريق ضمن التحضيرات والاستحقاقات السابقة. وكانت التحضيرات قد بدأت بمعسكرات وبرامج تدريبية قبل التصفيات.
لكن المنتخبات العمرية تحتاج إلى أكثر من مدرب جيد في فترة قصيرة؛ تحتاج إلى مشروع فني طويل الأمد. فمن المفترض أن تكون هناك هوية واضحة تنتقل من منتخب تحت 17 عاماً إلى تحت 20 عاماً ثم المنتخب الأول، بحيث لا يبدأ اللاعب في كل مرحلة من الصفر.
وهذا أحد الملفات التي تستحق النقاش داخل الكرة السورية: هل يتم بناء المنتخبات كفرق منفصلة لكل استحقاق، أم يجري العمل ضمن مسار متكامل لصناعة لاعب دولي؟
المشكلة الآسيوية أكبر من المنتخب السوري
التجربة الأخيرة تكشف أيضاً أن المنافسة الآسيوية تتغير بسرعة.
فأوزبكستان لم تكتفِ بالتأهل، بل تصدرت المجموعة بالعلامة الكاملة، فيما انتزعت الهند المركز الثاني بست نقاط، ولا تزال تنتظر معرفة موقفها بين أفضل أصحاب المركز الثاني.
كما أن منتخبات أخرى من المنطقة استطاعت المنافسة بقوة، ومنها العراق الذي تصدر مجموعته وتأهل مباشرة، ما يؤكد أن الفارق لم يعد حكراً على القوى الآسيوية التقليدية.
وهنا تصبح المنافسة على مستوى القارة مرتبطة بقدرة الاتحاد والأندية على تطوير اللاعب منذ سنوات عمره الأولى، وليس فقط بتشكيل منتخب قبل أسابيع من التصفيات.
ماذا بعد الإخفاق؟
الخروج من التصفيات يجب ألا يتحول إلى مناسبة لإلقاء المسؤولية على اللاعبين أو الجهاز الفني وحده. اللاعبون الشباب كانوا جزءاً من منظومة أكبر، والنتيجة يجب أن تكون فرصة لمراجعة تلك المنظومة.
المطلوب هو تقييم حقيقي للتجربة: مستوى الإعداد، نوعية المباريات الودية، اختيار اللاعبين، العمل البدني والتكتيكي، آليات اكتشاف المواهب، دور الأندية، ومستوى مسابقات الفئات العمرية.
فالخسارة أمام أوزبكستان 3-0 هي السبب المباشر الذي أغلق باب التأهل، والخسارة أمام الهند هي التي ضيقت هامش المناورة، لكن الأسباب الأبعد تتعلق بكيفية صناعة لاعب كرة القدم السوري نفسه.
لم يخسر منتخب الشباب بطاقة كأس آسيا في تسعين دقيقة فقط، بل دفع ثمن مجموعة من العوامل القريبة والبعيدة. البداية المتعثرة أمام الهند، وعدم القدرة على مجاراة أوزبكستان، والاكتفاء بفوز على بنغلادش، كانت العوامل المباشرة.
أما على المدى البعيد، فالتحدي يتمثل في بناء منظومة مستدامة لتطوير الفئات العمرية، وتحويل المنتخبات من مشاريع مؤقتة مرتبطة بالبطولات إلى مشروع متواصل لصناعة اللاعب السوري.
فالخروج من بطولة يمكن تعويضه، أما استمرار الخروج من الاستحقاقات العمرية من دون معالجة جذور المشكلة، فيعني أن كرة القدم السورية ستظل تدور في الحلقة ذاتها: تشكيل منتخب، معسكرات، تصفيات، إخفاق.. ثم انتظار جيل جديد.