حماة/ جمانة الخالد
بين أزقة حي قديم من أحياء مدينة حماة، تحت ظلال منازل تذكّر بعراقة المدينة، يعمل رجل مسنّ يُدعى سليمان على قطعة من الحجر الخام. يمكن للزائر أن يلاحظ سنوات الخبرة التي تراكمت في يديه وعمق التركيز في عينيه، إذ يحوّل الصخرة الصلبة إلى حجر بناء يُعرف محلياً باسم “بلاتيه”، جاهز لأن يصبح جزءاً من جدار أو قاعدة منزل جديد. هذه الحِرفة، التي عمرها حوالي خمسة عشر عاماً، لم تعد مجرد مهنة، بل وسيلة لإعادة المدينة إلى شكلها المعماري القديم، وللحفاظ على الهوية العمرانية لحماة.
الحجر الطبيعي الذي يعمل عليه الحرفيون يتميز بمتانته وقدرته على مقاومة العوامل المناخية، ما يجعله خياراً مفضّلاً لدى السكان الذين يعيدون ترميم منازلهم أو يبنون مساكن جديدة. في هذه الورش الصغيرة، التي تنتشر في أحياء المدينة القديمة، يتعلم الشبان على يد الخبراء مهارات النحت على الحجر، وفهم كيفية اختيار القطعة المناسبة، وقراءة الشقوق والعيوب الطبيعية في الحجر قبل الشروع في تشكيلها.
فارس، شاب في أواخر العشرينات من عمره، عاد مؤخراً مع عائلته بعد سنوات من النزوح، وقرر أن يتعلم الحِرفة ليستطيع بناء منزل لعائلته الصغيرة. يصف فارس عملية النحت بأنها أشبه بقراءة كتاب قديم، كل صدع فيه يحمل قصة وكل قطعة مقطوعة بدقة تمثل بداية حياة جديدة.
ورشة سليمان الصغيرة مظللة ببعض الألواح الخشبية، لكنها تشهد حركة دؤوبة منذ ساعات الصباح الأولى. الحجارة الثقيلة يتم تنظيفها، ثم تُقسّم وتُصقل لتصبح صالحة للبناء. كل ضربة إزميل تحتاج إلى تركيز شديد، إذ أن أي خطأ قد يؤدي إلى شق أو كسر القطعة، ما يجعلها غير صالحة للاستخدام. الحرفيون هنا يتعاملون مع كل قطعة على حدة، ويختبرون صلابتها ووزنها، ويقررون كيفية نحتها بحيث تصبح مناسبة للجدار أو الأرضية أو المدخل الذي ستُستخدم فيه.
بعد سنوات من النزاع والدمار، أصبح الركام منازل مهدمة مصدراً ثميناً للحجارة. في حي البركة القديم، يعمل شاب يدعى مروان وفريقه على جمع الأنقاض وفصل الحجارة القابلة للاستخدام عن القطع غير الصالحة.
يقول مروان إن العمل ليس مجرد إعادة تدوير للمواد، بل إعادة للحياة والذاكرة. كل حجر يُعاد استخدامه يحمل جزءاً من تاريخ المنزل السابق، وبالتالي يشكل جسرًا بين الماضي والحاضر. هذا النهج لا يوفّر في الخامات فحسب، بل يمنح السكان شعوراً بالاستمرارية والانتماء لمدينتهم، إذ يشعرون بأنهم يحفظون جزءاً من تراث حماة أثناء إعادة بناء منازلهم.
رغم أهمية هذه الحِرفة، تواجه الورش تحديات عديدة. محاجر الحجر ليست متوفرة بسهولة في كل مكان، وقد تتطلب تراخيص أو رسومًا باهظة. المعدات الحديثة للنحت والقطع غالباً ما تكون محدودة، والكهرباء غير مستقرة في بعض المناطق، ما يزيد صعوبة العمل.
بالإضافة إلى ذلك، تتنافس الحجارة الطبيعية مع مواد بناء حديثة أرخص وأسهل في التركيب، مثل الخرسانة والطوب المسنود والألواح الجاهزة. نقل الحجر الثقيل عبر أحياء ضيقة أو طرق غير معبّدة يمثل تحدياً إضافياً، خاصة في المناطق التي طالها الدمار بشكل كبير.
ورغم هذه الصعوبات، يصر الحرفيون على ممارسة مهنتهم كوسيلة للحفاظ على التراث ولتحقيق دخل مستقر. في كل صباح، يبدأ سليمان وفارس ومروان يومهم بين المطرقة والإزميل، ومع كل قطعة حجر يتم صقلها، يشعرون بأنهم يساهمون في إعطاء المدينة شكلاً جديداً ومستقبلاً أكثر استقراراً.
الحجارة التي كانت شاهدة على الدمار تتحول إلى أسس قوية لمنازل جديدة، تعكس إرادة سكان حماة في إعادة الحياة إلى مدينتهم، ليس فقط من خلال البناء المادي، بل من خلال صيانة روح المكان وذاكرته المعمارية.
البيوت التي تُستكمل واجهاتها بالحجر الطبيعي تضفي جمالاً وعراقة على المدينة، وتعيد إلى الأحياء القديمة رونقها التاريخي. هذه الملامح ليست جمالية فحسب، بل تحمل قيمة عملية، إذ يضمن الحجر الطبيعي متانة أطول ومقاومة أكبر لعوامل الزمن والمناخ مقارنة بالمواد الصناعية الرخيصة. الحرفيون أنفسهم يرون في عملهم وسيلة للحفاظ على كرامة المدينة وصمود سكانها، إذ أن الحجر يربط بين الأجيال ويعكس استمرار الحياة رغم الصعوبات.
حِرفة حجر البلاتيه في حماة أصبحت رمزاً للصمود والانتماء. من ورشة سليمان الصغيرة، إلى فارس الذي يتعلم المهنة بعد النزوح، إلى مروان الذي يعيد تدوير الأنقاض، كل فرد يساهم في استعادة جزء من هوية المدينة. الحجارة التي تحمل بين طبقاتها تاريخاً وعراقة، تصبح مرة أخرى دعامة لمنازل وأزقة وشوارع تعيش فيها الأجيال الجديدة.
هذه الحِرفة، التي تبدو بسيطة من الخارج، تحوي في طياتها قصص البشر الذين رفضوا الاستسلام للدمار، وقرروا أن يبنوا من جديد ليس فقط المباني، بل الأمل والذاكرة والكرامة.
إن استمرار هذه الحِرفة في حماة يمثل أكثر من مجرد مهنة، فهو تعبير عن قدرة الإنسان على التحول من ضحية للدمار إلى باني، ومن نازح إلى مُجدّد. الحجر الذي شهد سقوطاً وتحطماً، يتحول على أيدي الحرفيين إلى حجر أساس للمستقبل، والمدينة التي طالها الضرر تجد في كل قطعة حجر فرصة للحياة من جديد.
وبين كل ضربة إزميل وكل لوح صُقل بعناية، يكتب الحرفيون فصلاً جديداً في تاريخ حماة، فصل يحمل بين صفحاته الأمل والإصرار على إعادة البناء، واستعادة رونق المدينة وكرامة سكانها.