حمص
جاء الهجوم الذي استهدف دورية واجتماعاً أمنياً سورياً–أميركياً قرب مدينة تدمر شرقي البلاد ليطرح تساؤلات جوهرية حول أهدافه الحقيقية: هل كان رسالة مباشرة لضرب مسار التنسيق المتصاعد بين واشنطن والحكومة السورية الانتقالية في ملف مكافحة الإرهاب، أم إثبات لوجود متشددين إسلاميين داخل هيكيلة القوات الحكومية؟ والأهم، ما هي مآلات هذا التصعيد على المشهد الأمني في وسط سوريا؟.
وأقرت وزارة الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية على لسان المتحدث باسمها نور الدين البابا، بأن منفذ هجوم تدمر الذي أسفر عن مقتل وإصابة جنود أميركيين ومترجم مدني هو أحد عناصر الوزارة وكان من المفترض فصله بعد ثبوت تبنيه لأفكار متشددة، إلا أن ذلك تأخر بسبب العطلة الإدارية.
وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، أن الهجوم وقع أثناء اجتماع أمني مشترك بين مسؤول عسكري أميركي ومسؤول من وزارة الداخلية في الحكومة السورية الانتقالية، خُصص لبحث سبل مكافحة تنظيم “داعش” والحد من تحركات خلاياه في البادية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله إن جنوداً أميركيين كانوا يؤمنون حماية الاجتماع إلى جانب عناصر من قوات الأمن السورية، حين تعرض الموقع لهجوم مفاجئ، وأشار المسؤول إلى أن الولايات المتحدة ردت سريعاً عبر إرسال مقاتلتين من طراز “إف-16” حلقتا فوق مدينة تدمر ومحيطها، في رسالة ردع واضحة عقب الهجوم.
بالتوازي مع ذلك، نفذت قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش عملية أمنية واسعة في مدينة تدمر ومحيطها، شملت دخول رتل عسكري إلى المدينة، ونفذت تمشيط وملاحقة لخلايا التنظيم، كما نفذ الطيران الحربي الأميركي غارات جوية استهدفت عدة مواقع في البادية السورية، في إطار عملية عسكرية أعقبت الهجوم.
ونفذت المقاتلات الأميركية عمليات تمشيط مكثفة في عمق البادية، بينما فرضت قوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية الانتقالية حظراً للتجوال داخل مدينة تدمر، مع انتشار دوريات مشتركة للأمن الداخلي وقوات التحالف في أحياء المدينة.
وأكد مراسلون ميدانيون أن حركة السير على الطريق الدولي دير الزور–دمشق توقفت مؤقتاً، وسط تحليق كثيف للطيران، في حين تدخلت مروحيات أميركية لإجلاء المصابين ونقلهم إلى قاعدة التنف لتلقي العلاج.
في أول تعليق سياسي، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الهجوم وقع في “منطقة شديدة الخطورة” من سوريا، مؤكداً أن بلاده ستشن هجوماً انتقامياً ضد تنظيم “داعش”، وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أن منفذ الهجوم تم القضاء عليه، وهو ينتمي إلى تنظيم “داعش”، مشيرة إلى أن الهجوم استهدف دورية سورية–أميركية خلال اجتماع أمني مشترك.
وقال وزير الدفاع الأميركي بيتر هيغسيث إن “قوات شريكة قضت على الإرهابي الذي نفذ الهجوم”، مضيفاً أن استهداف الأميركيين “سيُقابل بملاحقة وقتل دون رحمة”، كما أدان المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك الهجوم، مؤكداً التزام واشنطن بمواصلة الشراكة مع الأطراف السورية لهزيمة الإرهاب.
بدورها، قدمت القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) تعازيها للجيش الأميركي وشعب الولايات المتحدة، مؤكدة إدانتها للهجوم “الإرهابي”، وقال القائد العام لقسد، الجنرال مظلوم عبدي، إن ازدياد هذه الهجمات يعكس حاجة ملحة لتعزيز الجهود المشتركة على المستوى الوطني لمكافحة الإرهاب وخلاياه.
وأكدت “قسد” في بيان رسمي أن قواتها، بالتنسيق مع التحالف الدولي، لن تسمح للتنظيمات الإرهابية بإعادة تنظيم صفوفها أو تهديد أمن المنطقة، مشددة على أن الرد على الجهات المنفذة والداعمة للهجوم سيكون “حازماً ومباشراً”.
ويأتي هجوم تدمر في سياق تصاعد ملحوظ لنشاط خلايا “داعش” في البادية السورية، مستفيدة من اتساع الجغرافيا وصعوبة السيطرة الأمنية الكاملة عليها، ورغم الضربات المتتالية التي يتلقاها التنظيم، وآخرها العمليات المشتركة التي أعلنت عنها القيادة المركزية الأميركية أواخر تشرين الثاني الماضي، إلا أن الهجوم الأخير يعكس قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات نوعية تستهدف أهدافاً حساسة.
وفي ظل هذا التصعيد، يفتح هجوم تدمر الباب أمام مرحلة جديدة من العمليات العسكرية والأمنية في وسط سوريا، ويعيد طرح سؤال محوري: هل ينجح هذا الهجوم في إرباك التنسيق السوري–الأميركي، أم أنه سيدفع نحو توسيع هذا التنسيق وتحويل البادية إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع ما تبقى من تنظيم “داعش”؟.