مجد محمد
مع دخول الحرب في سوريا عامها الخامس عشر، لم تعد البلاد فقط أمام استحقاقات سياسية واقتصادية مؤجلة، بل أيضاً أمام تصاعد مقلق في الخطاب والهواجس الطائفية، التي باتت تشكل تهديداً حقيقياً للنسيج المجتمعي السوري، ففي وقت يشهد فيه الإقليم حراكاً دبلوماسياً مكثفاً باتجاه إعادة ترتيب العلاقات، تتفاقم داخلياً التصدعات الاجتماعية والهوية الوطنية الجامعة.
اللافت أن هذا التوتر الطائفي المتصاعد لا يأتي في سياق طارئ، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من التهميش السياسي، وانعدام العدالة، وغياب التمثيل الحقيقي لمكونات المجتمع السوري، وسط تعثر الحل السياسي وانسداد أفق التغيير في هيكل الدولة المركزية.
لا يمكن قراءة التوتر الطائفي الحالي في سوريا بمعزل عن السياق السياسي والأمني لما بعد ٢٠١١، فبينما ظهرت الاحتجاجات في بداياتها بطابع مدني وشعبي، فإن تحول الصراع لاحقًا إلى نزاع مسلح متعدد الأطراف والمصالح، أفسح المجال أمام تأطير الصراع على أسس طائفية ومذهبية، استخدمت كأدوات تعبئة واستقطاب من جميع الأطراف.
اليوم، وبعد سنوات من الحرب، تعيد بعض المناطق السورية إنتاج خطاب طائفي مقنع، يتغذى على الشعور بالتهميش، وغياب الأمن، وانعدام الفرص السياسية المتكافئة، وفي المقابل تسعى بعض الجماعات الدينية أو الإثنية إلى طرح حلول تستند إلى الخصوصيات الثقافية أو المجتمعية وغيرها.
في العقود الماضية، ظل الحديث عن الحكم الذاتي أو اللامركزية في سوريا أشبه بالمحرم السياسي، ويقابل بالرفض والتخوين والتخويف من “التقسيم”، لكن الأزمة كشفت هشاشة هذا المنع، وأظهرت الحاجة لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والمحيط، واليوم هناك مطالب واضحة من مكونات متعددة – كرد، سريان، دروز، علويين، وبعض القبائل العربية – بإعادة النظر في شكل الدولة، بما يضمن إدارة ذاتية محلية، تعكس التنوع السوري وتمنح المجتمعات حقها في تقرير شؤونها الخدمية والثقافية والسياسية، ضمن إطار الدولة السورية الواحدة، هذه المطالب ليست بالضرورة مشاريع انفصال، كما يروج البعض، بل هي محاولات واقعية لإنتاج عقد اجتماعي جديد، يحفظ وحدة سوريا عبر الاعتراف بتعددها.
حتى الآن، لم تظهر السلطة السورية المركزية أي تغير جوهري في موقفها من قضية الحكم المحلي أو اللامركزية السياسية، فما زالت تقدم نفسها باعتبارها الضامن الوحيد لوحدة سوريا، وتتعامل مع أي مطلب بالحكم الذاتي على أنه تهديد للدولة، لكن هذا الموقف يتجاهل حقيقة أن الإصرار على المركزية الشديدة هو ما قاد إلى هشاشة الدولة وانهيار مؤسساتها في كثير من المناطق، كما أن التعامل الأمني مع مطالب مجتمعية سياسية، لم ينجح يوماً في وأدها، بل زاد من تعقيدها وجذورها.
في ظل هذا المشهد، تبدو تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا مثالاً عملياً لما يمكن أن يمثل حكماً محلياً ديمقراطياً، تعددياً، وفعالاً، فمنذ ٢٠١٤ بنت الإدارة الذاتية مؤسسات مدنية، وهيئات منتخبة، ونظاماً تعليمياً وثقافياً يراعي الهويات المتنوعة في المنطقة، دون أن تدعو للانفصال عن سوريا.
بل على العكس، تؤكد الإدارة الذاتية في كل تصريحاتها الرسمية، أن مشروعها يندرج ضمن حل سوري شامل، ويقوم على مبدأ اللامركزية الديمقراطية، التي تحفظ وحدة الأراضي السورية، وتمنح كل مكون حقه في القرار والإدارة واللغة والثقافة، وهذا النموذج رغم ما يواجهه من تحديات سياسية واقتصادية وضغوط إقليمية، إلا أنه يثبت يوماً بعد يوم أن البديل عن المركزية ليس الانقسام، بل هو التوازن والعدالة.
فإن تزايد التوتر الطائفي في سوريا هو تحذير حقيقي، لا يجب التعامل معه كأزمة طارئة بل كنتاج بنيوي لتراكمات سياسية واجتماعية، والرد عليه لا يكون بالخطابات أو القمع، بل بفتح حوار وطني شامل، يعيد الاعتبار للحكم المحلي، ويعيد صياغة العلاقة بين المركز والمجتمع.
الدبلوماسية وحدها لا تكفي، ما لم تترافق مع تغييرات داخلية حقيقية تنهي الاستبداد وتعطي لكل مكون دوره، فإن خطر الانقسام سيبقى يهدد ما تبقى من الدولة السورية، وربما تجربة الإدارة الذاتية، رغم كل الصعوبات، تقدم اليوم أحد أهم الدروس في كيفية تحويل التنوع إلى قوة، لا إلى عامل صراع.