درعا/ رجاء مختار
في درعا، التي ما لبثت أن تعافت من أوجّ سنوات الحرب، تعود خدمات الإنترنت والاتصالات لتكشف ضعفها ومستوى الانقطاع المزمن الذي يعَمّ المحافظة، ليضع الأهالي أمام صعوبات يومية في العمل والتعلّم والتواصل. الرصد الميداني والمصادر الرسمية يشيران إلى أن معاناة الإنترنت في المحافظة ليست جديدة، لكنها تزداد حدّة مع كل حادث تخريبي أو ضعف كهربائي أو نقص في التجهيزات.
مؤخرًا، خرجت شركة الاتصالات السورية لتمرّض 1800 خط هاتفي وبوابة إنترنت عن الخدمة في درعا، بعد سرقة كابل نحاسي رئيسي، وفق ما صرّح به مدير فرع الشركة، أحمد الحريري. هذا الانقطاع شمل مرافق ضرورية: المشفى الوطني، ومديريات المالية والثقافة والصناعة، ومركز المصرف العقاري، والعدلية، ومؤسسة المياه، والمركز الثقافي، ومنطقة حيّ حطين كلها.
ليس الأمر مقتصرًا على تكرار الحوادث الأمنية فحسب، بل إن العطل الذي أصاب “الكابل الضوئي” الرابط بين درعا وريف دمشق جعل بعض الأماكن تنقطع عنها خدمة الإنترنت والاتصالات الأرضية تمامًا، فيما تشهد مناطق أخرى ضعفًا شديدًا في الشبكات الخليوية مع كل انقطاع للكهرباء أو تلف في البلاد.
أحد أكثر الأمثلة وضوحًا للضياع الذي يعيشه المواطن في درعا حدث يوم الاثنين من شهر آب، عندما انقطعت الاتصالات الأرضية وخدمة الإنترنت “ADSL” في أجزاء واسعة من المحافظة، كما قالت مصادر محلية إن السبب كان كابلاً ضوئياً تالفًا في منطقة “دير علي” بريف دمشق، وهو ما أدى إلى تعطل جزء كبير من الاتصالات والإنترنت، بينما تعمل الجهات المعنية حاليًا على تحديد مكان العطل وإصلاحه تدريجيًا.
المواطنون يتحدثون عن اضطراب الخدمة ليس فقط في اتصالهم بمن يريدون عبر الهاتف أو الإنترنت، بل في نمط حياتهم اليومي: في المدارس، في الأعمال التي تتطلّب إنترنت ثابتًا، في الحصول على المعلومة، وأحيانًا في الأمور الطارئة. ضعف الإنترنت يعني تأخرًا في إرسال مهام مدرسية، تعطيل الاجتماعات الرقمية، صعوبة استخدام الخدمات الحكومية الإلكترونية، كما أن انقطاع الاتصالات عند وقوع حادث أو مرض طارئ قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع.
في درعا أيضًا يُثير المواطنون غضبًا خاصًا بسبب ما يرون أنه وعود متكرّرة بتحسين الخدمة لا تُترجَم إلى واقع. يُشير أحدهم إلى أن أبراج المحمول في بعض الأحياء متهالكة أو لا تعمل منذ مدّة، ويرجّح أن عدد الأبراج والمولدات الاحتياطية غير كافٍ أو أن صيانتها متأخرة. كذلك يُذكّرون بأن ضعف الكهرباء وإن انقطاعات التيار لها تأثير مباشر على استمرارية الخدمة، خصوصًا في المناطق التي تعتمد فيها محطات الاتصالات على مولدات أو على الشبكة الكهربائية العادية بدون بدائل كافية.
من جهة رسمية، يعترف فرع الشركة السورية للاتصالات في درعا بأن هناك حاجة ماسة لتجديد الكابلات التالفة، خاصة الضوئية منها، وإعادة العدّة إلى الخطوط المقطوعة. كما تم الإعلان عن تخصيص “بوابات إنترنت جديدة” في عدد من المقاسم (مراكز الهاتف) بالمحافظة، في بعض البلدات مثل تل شهاب، الجيزة، بصرى الشام، والحارة، وُعدت هذه المقاسم بتجهيزات لمحطات تخدّم المشتركين: تركيب بوابات إنترنت جديدة، وتمويل محلي لبعض التجهيزات مثل الطاقة الشمسية لدعم المراكز الهاتفية.
لكن التحديات كبيرة: المواد اللازمة للإصلاح غير متوفّرة بسهولة، تكاليف المدخلات عالية، والحفر لتركيب الكابلات يحتاج إلى آليات قد تتأخر في الوصول، خاصة في المناطق التي تضرّرت كثيرًا من البنى التحتية. بالإضافة إلى أن بعض الانقطاعات الناتجة عن سرقة الكابلات أو التخريب تستهدف نقاطًا استراتيجية، ما يجعل إصلاحها معوقًا من الناحية الميدانية والأمنية.
أهالي درعا يؤكدون أن الإنترنت لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة أساسية: للطلاب، للموظفين، للتواصل الأسري، وللخدمات الحكومية. وهم يطالبون بإجراءات سريعة: حماية الكابلات الضوئية من التخريب، تقديم ضمانات باستعداد فرق الصيانة، تشغيل أبراج المحمول وصيانتها الدورية، وتخصيص اعتمادات لشراء مواد بديلة عند السرقة أو التلف. كذلك، يرون أن الحكومة ينبغي أن تتعامل مع الواي فاي “الخارجي” (Wi-Fi outdoor) أو أي تقنية بديلة بشكل قانوني وسريع، لتخفيف الأضرار في المناطق التي لا تستطيع الوصول إلى خدمة إنترنت أرضية جيدة.
خددحالة الإنترنت في درعا اليوم هي صورة مصغّرة لمعاناة الخدمات الأساسية: ضعف البنية التحتية، الأمن غير المستقر، والوعود التي تتكرّر دون أن تتحقّق بالكامل. المواطنين يستعيدون حياتهم بعد الحرب، لكن في كل مرة ينقطع فيها الإنترنت، يشعرون بأن جزءًا من التواصل مع العالم يُسحب من تحت أقدامهم، وأن تأخر الإصلاح ليس فقط عائقًا تقنيًا، بل يُدانٍ بحقّ حياتهم اليومية ومستقبل أولادهم.