لكل السوريين

انتخابات مجلس الشعب في اللاذقية بين المقاطعة والتعيين

اللاذقية/ يوسف علي

منذ إعلان الحكومة الانتقالية نيتها إجراء انتخابات لمجلس الشعب في سوريا، تحولت محافظة اللاذقية إلى محور نقاش واسع، باعتبارها إحدى أكثر المحافظات حساسية سياسياً وأمنياً، إذ تعتبر موقع رهان دولي فعلي لآلية انتخابية يُفترض أن تعكس بداية عهد جديد، وليس تكريسا لسنوات السيطرة وفرض القرار.

لكن القرارات الأخيرة، وعلى رأسها تعيين ثلث أعضاء المجلس بشكل مباشر من قبل رئيس الحكومة الانتقالية، أعادت الجدل إلى نقطة الصفر وسط حيرة وتساؤلات أمام انتخابات حقيقية، أم مجرد إعادة إنتاج لمشهد قديم بأسماء جديدة؟

اللجنة العليا للانتخابات أشارت إلى أن العملية في اللاذقية ستجري بشكل “منتظم”، لكن الترتيبات أظهرت عكس ذلك. فقد تم استبعاد عدد من الدوائر الانتخابية بحجة “صعوبات لوجستية وأمنية”، بينما ظلّ موعد فتح مراكز الاقتراع غير واضح في موعد افتراضي. هذه الخطوات أثارت تساؤلات حول الجدية والقدرة على إدارة الاستحقاق وسط ظروف أمنية متزعزعة.

بحسب قرار الحكومة الانتقالية، خُصص للاذقية 22 مقعداً، لكن ثلثها سيُعيّن مباشرة بقرار من الشرع، ما يعني أن 7 مقاعد على الأقل ستُحجب عن التنافس الشعبي، ناهيك عن تحييد شمال شرق سوريا وغياب الجنوب منها كتمثيل مجلس على مستوى الدولة الجغرافية.

هذا الإجراء اعتبره ناشطون “إفراغاً للمبدأ الديمقراطي من محتواه”، وتكريس لسياسة سابقة تقضي على الحريات في البلاد، حيث يصبح التعيين أداة للسيطرة السياسية بدل أن يكون التمثيل نتيجة خيار شعبي حر.

رغم حديث اللجان المختصة عن برامج انتخابية ومناظرات علنية، فإن الواقع في اللاذقية مختلف: لا بيئة آمنة للمرشحين، وبين التشكيك بالوطنية والتخوين، إذ أنه لا يوجد قدرة للناخبين على الوصول بحرية إلى صناديق الاقتراع، هذا لا يعني أنه لا أمن ولا أمان، بل لا حرية مطلقة تتيح للناخب وصول صوته لمرشحه المفضل، والنتيجة المتوقعة هي حملات محدودة في دوائر ضيقة، يغلب عليها الطابع الخطابي والإعلامي أكثر من الطابع التنافسي الحقيقي الشفاف، إذ أن هناك أجندة مهمتها تحويل العملية الانتخابية إلى مشهد بروتوكولي يخدم صورة السلطة أمام المجتمع الدولي أكثر مما يخدم المجتمع الداخلي الذي انطلق بثورة تحت شعار الحرية في عام 2011.

دائرة مفرغة فالتاريخ يعيد نفسه

يرى مهتمون أن ما يحدث اليوم في اللاذقية، خصوصاً، يعيد ما كان يطبخ في أروقة نظام الاسد سابقاً، حيث أنه كان المدعو كمال الأسد أبن عم الرئيس المخلوع له السلطة المطلقة في اختيار المرشحين من مستقلين وجبهة وطنية تقدمية لمقاعد مجلس الشعب، مقاعد محسومة سلفاً، غياب الشمولية، وتحكم السلطة بآليات التعيين والتصفية، السيطرة على القرار وصنع القرار واحتلال رأي المجلس وحريته ويرى مراقبون أن الوجوه قد تتبدل، لكن المنهجية لم تتغير، فالمجلس الجديد سيكون انعكاساً لإرادة السلطة الانتقالية لا إرادة الناس وهذا ما عهد الناس في زمن الأسد.

جوهر النقاش في انتخابات مجلس الشعب لا يكمن في عدد المقاعد أو نسب المشاركة، بل في شرعية العملية ككل. والتمثيل الصحيح والحقيقي للمواطنين، فانتخابات تبدأ بتعيين ثلث المجلس وتنتهي باستبعاد طبقة كاملة من مجتمع بات يعاني الطبقية والفروقات التي يمكن بناؤها بأكثر من طريقة مختلفة وجمعها تؤكد توافق الطبقية المجتمعية.

إذا مضت الحكومة الانتقالية بخطتها الحالية وهذه السياسة التي تعتمد على كسب الشرعية أمام وسائل الإعلام والتمثيل الشكلي وليس الفعلي، فإن مجلس الشعب لعام 2025 سيُنظر إليه كبرلمان ناقص الشرعية منذ يومه الأول، لا يمثل سوى السلطة الانتقالية التي أوجدته، فهي لن تكون سوى منبر حقيقي للتشريع والمحاسبة الذي يرضي الحكومة. وهكذا تتحول انتخابات اللاذقية خصوصاً وسوريا عموماً إلى مثال إضافي على الفرص الضائعة، وتأكيد جديد أن الذهنية القديمة ما زالت تحكم رغم تبدّل الوجوه.

- Advertisement -

- Advertisement -