لكل السوريين

الكهرباء أبسط أحلام السكان تتهاوى في القنيطرة

القنيطرة/ رجاء مختار

هنا في القنيطرة، حيث تتهاوى أحلام البسطاء تحت وطأة الظلام، تأتي أنباء قطع التيار الكهربائي عن مخرجي “بريقة ـ قصيبة” كخبر عادي في حياة اعتاد سكانها على انقطاع الكهرباء أكثر من اعتيادهم على وجودها. البيان الرسمي الذي أصدره مدير كهرباء القنيطرة، السيد بشار الحمدان، يشرح الأسباب التقنية للقطع، ويعد بالتعويض، ويشكر تفهم المواطنين، لكنه لا يحمل بين سطوره سوى جزء بسيط من قصة يعيشها الناس هنا يومياً.

فخلف مصطلحات “الصيانة الدورية” و”تعزيز استقرار الشبكة” و”الفحوص الفنية”، تقف معاناة حقيقية لأسر كثيرة لم تعد تعرف معنى الحياة المستقرة. في قرية “حراش حرفا”، حيث يمتد خط التوتر المتوسط الذي شملته الصيانة، تجلس أم علي، وهي أم لأربعة أطفال، في ظلمة شقتها الصغيرة، تحاول إشعال قنديل كاز قديم لإعداد الطعام.

تقول بصوت متعب: “كل مرة يقولون فيها صيانة، نعرف أن الظلام سيكون ضيفنا لساعات. الأطفال لا يستطيعون المذاكرة، والطعام في الثلاجة يبدأ بالفساد، ونحن نعيش في قلق دائم”. تشير إلى أن الكهرباء في منطقتها تنقطع بشكل شبه يومي، وأن ساعات “التعويض” التي تعد بها الشركة غالباً ما تأتي في أوقات غير مناسبة، كمنتصف الليل، عندما يكون الجميع نائمين.

ليست أم علي وحدها من تعاني، فسكان منطقة “نبع الفوار” يعيشون واقعاً مماثلاً. أبو محمد، الذي يعمل بمحل صغير لبيع المواد الغذائية، يخبرنا أن انقطاع الكهرباء يعني توقف عمله بالكامل، إذ لا يستطيع تشغيل الثلاجات أو الإضاءة أو آلة الصراف. “خسارتي تكون مضاعفة في الأيام هذه. الكهرباء تنقطع، وأنا مضطر لإغلاق المحل، والعملاء يذهبون إلى أماكن أخرى. حتى السلع التي تحتاج تبريد قد تتلف”. يسأل بحيرة: “أليس من حقنا أن نحصل على خدمة أساسية مثل الكهرباء دون انقطاع؟ لماذا يجب أن نعيش في ظلام دائم؟”.

البيان الرسمي يتحدث عن “أعمال صيانة دورية لمحولة مركز تحويل الزراعة في مدينة السلام، وتركيب أقفال للوحات عدد من مراكز التحويل، حرصاً على سلامتها وحمايتها من أي عبث أو تعديات”. لكن السؤال الذي يطرحه السكان هو: لماذا تتحول هذه الصيانة إلى معاناة يومية؟ ولماذا لا توجد خطط بديلة لتأمين الكهرباء أثناء الصيانة؟ ولماذا تتركز أعمال الصيانة في أوقات الذروة، مما يزيد من معاناة الناس؟

في واقع الأمر، فإن أزمة الكهرباء في القنيطرة، كما في معظم المحافظات السورية، ليست مجرد أزمة تقنية، بل هي نتيجة تراكمية لسنوات من الحرب، والحصار، وضعف الاستثمار في البنى التحتية، ونقص الوقود، وتدهور حالة الشبكات الكهربائية. الصيانة ضرورية بالفعل، كما يؤكد البيان، لكنها ليست كافية وحدها لمواجهة أزمة مزمنة تحتاج إلى حلول جذرية.

الأثر النفسي والاجتماعي لانقطاع الكهرباء لا يقل خطورة عن الأثر الاقتصادي. ففي ظل الظلام، تنتشر الروايات عن جرائم وسرقات، وتزداد مخاوف الأهالي على أبنائهم. الشباب الذين يعتمدون على الإنترنت للعمل أو الدراسة، يجدون أنفسهم معزولين عن العالم، مما يزيد من شعورهم بالإحباط واليأس. الحياة الاجتماعية تتراجع، فبدون كهرباء، تصبح التجمعات العائلية والمناسبات صعبة، خاصة في المساء.

البيان الرسمي ينتهي بالإشارة إلى أن “الشركة تواصل استعدادها للاستجابة الفورية لأي حالة طارئة خدمةً للمواطنين”. لكن المواطنين الذين تحدثنا إليهم يشككون في هذه الوعود. أحدهم قال: “عندما نبلغ عن عطل، يأتي الفنيون بعد ساعات، وأحياناً بعد أيام. الاستجابة الفورية موجودة فقط في البيانات الصحفية”.

من القنيطرة، حيث يعيش الناس بين ظلام الليل وظلام النهار، تبقى الكهرباء حلماً بعيد المنال. البيانات الرسمية قد تشرح الأسباب، لكنها لا تُضيء الشموع في بيوت الناس، ولا تشغّل ثلاجاتهم، ولا تعيد لأطفالهم فرحة المذاكرة تحت ضوءٍ مستقر. الصيانة ضرورية، لكن الأكثر ضرورة هو أن تعيد الجهات المعنية النظر في أولوياتها، وأن تضع معاناة الناس في مقدمة اهتماماتها، لأن الكهرباء ليست مجرف تيارٍ في سلك، بل هي نور الحياة نفسه.

- Advertisement -

- Advertisement -