صدر حديثاً عن “دار سامح للنشر” في السويد، (بكاء الحقل الأخير)، مجموعة قصصية، باكورة أعمال الكاتب والصحافي السوري عبد الكريم البليخ، تضم بين دفتيها ثلاثين قصة تنبض بين رائحة التراب وملح الغربة؛ بالبساطة والصلابة ينسج من خلالها ملامح أناس جعلوا من الأرض امتداداً لكرامتهم، ومن الذاكرة وطناً حين ضاق الوطن، كاشفاً بشاعرية واقعية عن شجاعة الطيبة في مواجهة قسوة القوانين وتحولات المنافي.
المجموعة القصصية تُصغي إلى أصوات الناس في قراهم وأزقتهم، كما في منافٍ بعيدة. تتجاور في هذه الحكايات مصائر متنوّعة لشخصيات بسيطة وصلبة: فلاح يجعل من الأرض امتداداً لكرامته، عائد من المنفى يبحث عن بيت يستعيد فيه نفسه، امرأة مجهولة تقاوم بصمت، وقلوب تمتحنها الخيانة والندم. من اليوميّ العابر يستخرج الكاتب جوهراً أخلاقياً لامعاً، ويرفع التفاصيل الصغيرة إلى مستوى الرمز، حيث تصبح الأرض هوية لا ملكية، والذاكرة وطناً حين يضيق الوطن.
كتبت قصص هذه المجموعة بلغة رشيقة مشربة بحسٍّ تصويري، تمزج بين رهافة شعرية وبصيرة واقعية، وتؤثث عالماً يواجه فيه الناس رخام الإدارات بحجارة الحقول، ويستبدلون الشعارات بفعل نزيه وعنيد.
“بكاء الحقل الأخير” كتاب عن معنى الثبات حين تتبدل القوانين، وعن شجاعة الطيبة حين تُستدرج إلى الصمت. إنه احتفاء بمن يدافعون عن الكرامة والوجود، ويصونون ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش: الأرض، والذاكرة، والصدق. مجموعة قصصية تخاطب القلب والضمير معاً، وتترك في النفس أثراً لا يزول.
القصص تحتفي بمن يدافعون عن الكرامة والوجود، ويصونون ما يجعل الحياة جديرة بأن تعاش: الأرض، والذاكرة، والصدق.
ونقرأ في قصة “بكاء الحقل الأخير”:
غَمر المطرُ القبرَ بعد أسبوع. خرجت أعشابٌ صغيرةٌ ذاتُ رائحةٍ غريبة، مزيجٌ من الحنطة والريحان وشذا التوت. صبيان القرية قالوا إنّ العمّ حسين عاد ليحرث بطريقته الخاصة: جذوراً تنبت من تحت حجارته وتشقُّ طريقها إلى نورٍ لا تملكه المحاكم.
وبعد مرور موسمٍ، لاحظ المختار أنّ سور الأرض المصادَرة تهدّمَ عند أطرافه، وصار الناس يدخلون بلا إذنٍ لجمع الأعشاب العطرية. في ليلٍ صيفيٍّ، كتب المختارُ تقريراً رسميّاً يُطالب باستصلاح الأرض لأغراضٍ عامّة؛ لكن التقرير رُفِض لأنّ مالكها الجديد ـ الذي حصل عليها بقرارٍ إداريّ ـ لم يشأ التفريط في “استثماره”.
نفَرَتِ القرية بأكملها من حوله، وظلَّ اسمُ العمّ حسين يُتلى في دعاء المطر: “اللهم اسقِ أرضَ حسين وأرواحنا”.
نشير إلى أن عبد الكريم البليخ، وهو كاتب وصحافي سوري ولد في مدينة الرّقة عام 1967. درس القانون في جامعة بيروت العربية، لكنه اختار الصحافة مهنة فأصبح عام 1993 عضواً في اتحاد الصحفيين السوريين وكتب في العديد من المجلات والصحف العربية. في العاصمة النمساوية فيينا، أسّس عام 2024 “المركز العربي للإعلام والثقافة”، وأدار مجلات عدّة جمعت بين الفكر والرياضة، أهمها “المزمار”، “الصقر”، و”أقلام”.
يصدر له قريباً: “أرض تأكل نساءها”، “مع المثقفين الجدد”، “أصوات في العلن”، “محطات للتأمل”، “من جعبتي الصحفية”، “سلاطين أهل الكذب”، و”أرواح الأمكنة”.