حمص/ بسام الحمد
في مدينة حمص، تُواجه فئة المكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة تحديات كبيرة تتجاوز الإعاقة الجسدية لتطال جوانب حياتهم اليومية، بما في ذلك التعليم، العمل، والتنقل. تُظهر التقارير أن هذه الفئة تعاني من إهمال متزايد من قبل الجهات المعنية، مما يزيد من معاناتهم ويحد من فرصهم في الاندماج المجتمعي.
تُعد جمعية رعاية المكفوفين وضعاف البصر في حمص من المؤسسات النادرة التي تقدم خدمات تعليمية لهذه الفئة. تسعى الجمعية إلى تأهيل المكفوفين وتمكينهم من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، إلا أن الإمكانيات المحدودة والموارد الشحيحة تقف عائقًا أمام تحقيق أهدافها بالكامل. على الرغم من ذلك، تُنظم الجمعية فعاليات ومسابقات تهدف إلى تطوير مهارات المكفوفين، مثل مشاركتهم في مسابقة “العبقري الخارق الدولية” للحساب الذهني.
ويجلس في أحياء حمص القديمة، سامر، شاب كفيف في الرابعة والعشرين من عمره، يوميًا أمام باب منزله، يحاول قراءة الصحف بطريقة برايل، بينما يراقب المارة الذين يمرون دون أن يلتفتوا إليه. سامر، مثل الكثير من المكفوفين في المدينة، يواجه صعوبات كبيرة في الحياة اليومية تتجاوز مجرد فقدان البصر، لتصل إلى عوائق التعليم والعمل والتنقل، في ظل غياب أي دعم فعّال من الجهات الرسمية.
تُعد مشكلة التعليم من أبرز التحديات التي يواجهها المكفوفون في حمص. شهدت نادية، معلمة في جمعية محلية لرعاية المكفوفين، خلال السنوات الماضية قصصًا عديدة لطالبات وطلاب لم يتمكنوا من متابعة دراستهم بسبب قلة الموارد والكتب المتاحة بطريقة برايل. على الرغم من جهود الجمعية في تنظيم دورات وورش لتعليم الحساب والمهارات الحياتية، يبقى الأمل في تعليم متكامل محدودًا، ويجد العديد من هؤلاء الشباب أنفسهم مضطرين للاعتماد على أسرهم بشكل شبه كامل.
أما سوق العمل، فيظل حلمًا بعيد المنال. فراس، شاب كفيف آخر، قضى سنوات في تعلم الحاسوب والبرمجة، لكنه لم يجد وظيفة مناسبة. يقول إنه حاول التقدم لعدة فرص عمل في المؤسسات المحلية، لكنه صُدم بعدم تقبل أرباب العمل توظيفه رغم مهاراته، مما جعل شعوره بالعزلة يتفاقم. كثير من المكفوفين يضطرون للعمل في وظائف بسيطة لا تتناسب مع مؤهلاتهم، أو الاعتماد على الأعمال اليدوية الصغيرة لكسب لقمة العيش.
التنقل في المدينة يمثل تحديًا يوميًا آخر. أمينة، وهي امرأة مقعدة تعتمد على الكرسي المتحرك، تحكي عن صعوبتها في الوصول إلى الأسواق والمراكز الصحية بسبب غياب الأرصفة المهيأة والممرات المناسبة. الحافلات العامة غير مجهزة لنقل ذوي الاحتياجات الخاصة، والطرق غير آمنة، مما يجعل الحياة اليومية بالنسبة لهم رحلة متعبة، مليئة بالعقبات التي تزيد من شعورهم بالعزلة والانفصال عن المجتمع.
على الرغم من هذه الصعوبات، يبرز جانب من الإصرار والتحدي لدى هؤلاء الأفراد. قصص مثل قصة ليلى، الطالبة المكفوفة التي تعلمت العزف على البيانو وشاركت في عدة حفلات محلية، تذكر الجميع بأن القدرة والإبداع موجودة، لكن البيئة غير الداعمة هي ما يقيد الحرية والإمكانيات. العديد من الجمعيات المحلية تحاول سد هذه الفجوة، من خلال توفير ورش تدريبية أو مساعدة مادية، إلا أن هذه الجهود غالبًا ما تبقى محدودة وتفتقر إلى التمويل والدعم الحكومي الكافي.
اليوم، يعكس واقع المكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة في حمص الحاجة الماسة إلى تدخل شامل وجاد. يحتاج هؤلاء الأفراد إلى بيئة تعليمية متكاملة، فرص عمل حقيقية، وبنية تحتية مناسبة تجعلهم قادرين على الحركة والتنقل بحرية. قصصهم اليومية مليئة بالصبر والتحدي، لكنها تظل صامتة أمام إهمال طويل، ينتظر أن يتحول إلى سياسة واضحة ودعم عملي يمكنهم من المشاركة الكاملة في الحياة المجتمعية وتحقيق طموحاتهم.
الواقع الحالي يؤكد أن تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة ليس رفاهية، بل ضرورة اجتماعية وإنسانية، لضمان مجتمع أكثر عدلاً وشمولية، حيث لا يبقى أحد محاصرًا بإعاقته أو مهمشًا بسبب الظروف المحيطة.