لكل السوريين

سوريا: عدالة معلقة… بين الأمل والخيبة

تقرير/ جمانة الخالد

بعد عام كامل على سقوط نظام بشار الأسد، لا يزال السؤال الأكثر إلحاحاً لدى السوريين في وسط سوريا والعاصمة، بل في كل المدن التي عانت من قمع وعنف طويلين: كيف تتحقّق العدالة للضحايا بعد سنوات من الظلم؟ في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية الانتقالية، تبدو الإجابات على هذا السؤال معقدة، بين أمل بخطوات أولى نحو العدالة وواقع يتسم بالبطء والتردد في تحقيق المساءلة الحقيقية.

في حارات دمشق القديمة، يحكي أحمد، رجل في الخامسة والخمسين من عمره، عن فقدانه لابنه في اعتقال تعسفي قبل ما يزيد على عقد. يرفع أحمد صوته قائلاً: “اليوم بعد سقوط النظام، وعدونا بالعدالة ولكن لا شيء تغير… لا حقّقوا الحقيقة ولا شفنا حد محاسَب.” مثل كثير من عائلات المفقودين والمختفين قسرياً، يعيش أحمد بين أمل بالحصول على معلومات عن ابنه وبين خيبة الأمل من بطء الإجراءات الرسمية.

في حماة، تلتقي مراسلتنا مع ليلى، شابة في التاسعة والعشرين، التي فقدت شقيقها في واحدة من أكبر المجازر التي حدثت في سنوات النزاع. تقول ليلى بصوت يملؤه الوجوم: “كلما نسمع عن لجنة للعدالة الانتقالية أو محاكمات مستقبلية، يظل كلام على الورق… نحن نريد محاسبة واضحة، نريد الاعتراف بمعاناتنا، نريد أن ترى العدالة النور.” تجسد كلمات ليلى إحباط عائلات كثيرة تبحث عن حقيقة واضحة في ظل إجراءات رسمية بطيئة وغير شفافة أحياناً، وهي حالة يكررها الضحايا من حمص إلى دمشق.

في حمص، حيث شهدت المدينة واحدة من أطول وأعنف فصول الحرب السورية، يروي حسن، أحد الناجين من اعتقال تعسفي سابقاً، تفاصيل موجعة عن عذاب الأسرى داخل السجون السرية. يقول: “خرجتُ من المعتقل، لكن معاناتنا لم تنتهِ… نسمع عن لجان وعن محاكمات مستقبلية، لكن لا نرى حتى الآن محاسبة فعلية للمسؤولين عن التعذيب والاختفاء.” تظهر تجربة حسن مشهداً يتكرر مع كثير من المعتقلين السابقين الذين يرون أن العدالة الانتقالية لم تتحول بعد إلى محاكمات فعلية مستندة إلى القانون، وأن خطوات التحقيقات لا تزال في بداياتها.

رغم هذا الواقع الصعب، لا يمكن تجاهل بعض المؤشرات التي توحي بوجود رغبة حقيقية داخل السلطات السورية الحكومية الانتقالية لوضع العدالة على المسار الرسمي، ولو بخطوات بطيئة. فقد أعلنت الحكومة عن تشكيل هيئات للعدالة الانتقالية والمفقودين، بهدف توثيق الجرائم والمساءلة عن الانتهاكات التي ارتُكبَت خلال العقود الماضية، وإيجاد المفقودين وتقديم الدعم لعائلاتهم. هذا التحرك يُعدّ في حد ذاته خطوة غير مسبوقة في تاريخ سوريا الحديث، وهو ما لم يكن ممكناً في ظل النظام السابق.

لكن هذه الخطوات الرسمية تصطدم بتحديات كثيرة على الأرض. في دمشق نفسها، يشير حقوقيون محليون إلى أن دمج مطالب العدالة والمصالحة في إطار واحد يمثل تحدياً كبيراً، إذ أن هناك رغبة شعبية قوية في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الكبيرة التي حصلت خلال الحرب، إلا أن هناك أيضاً مخاوف من أن تؤدي الإجراءات السريعة وغير المتوازنة إلى إحداث انقسامات جديدة في المجتمع. هذا التوازن الدقيق بين العدالة والأمن والمصالحة هو أحد أصعب الاختبارات التي تواجه السلطات والفاعلين في العملية الانتقالية.

ولعل من أبرز ما يطالب به الضحايا اليوم هو الاعتراف الرسمي بمعاناتهم وتقدير حجم الأذى الذي تعرضوا له، إضافة إلى التعويضات المادية والمعنوية التي تساهم في تمكينهم من إعادة بناء حياتهم بعد سنوات من الخسارة والحرمان. في حمص، تحدثت أم لطفلين فقدت زوجها في اشتباكات دامية قبل سنوات، فتقول: “نحن لا نطلب أكثر من حقوق أولادنا… حق أن يعرفوا الحقيقة، وحق أن يشعروا بأن العدالة ليست مجرد كلمة في خطب سياسية.” هذا الطرح يعكس حالة واسعة من الشعور بأن العدالة يجب أن تُبنى من أساس حقوقي واضح لا يقتصر على الإجراءات الرسمية وحدها.

من جهة أخرى، يواجه المجتمع المدني السوري تحديات في المشاركة في مسارات العدالة الانتقالية. رغم الدعوات الرسمية لمشاركة الناجين والضحايا، إلا أن كثيرين يشكون من غياب الشفافية في صياغة آليات العدالة وطريقة تنفيذها، مما يقلل من ثقة الناس في الإجراءات المتخذة. هناك أيضاً انتقادات للبطء في فتح ملفات التحقيق والمضي فيها، وخاصة فيما يتعلق بالجرائم الكبيرة مثل الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب التي وثقها الناجون وعائلات الضحايا.

في دمشق، لا تزال لدى الكثير من المواطنين مخاوف حقيقية من أن العدالة قد تتعرض للضغط السياسي أو يتم التضحية بها من أجل الاستقرار على المدى القصير، وهو ما يراه بعضهم تنازلاً عن حقوق الضحايا في مقابل بناء مؤسسات الدولة من جديد. وهذا النقاش يظهر بوضوح في الأحاديث اليومية بين الناس في المقاهي والأسواق، حيث يتساءل البعض: “هل يمكن أن تتحقق العدالة دون أن نضحي بالاستقرار؟ وهل يمكن أن تكون المصالحة حقيقية دون مساءلة كاملة للمسؤولين عن الجرائم؟”

رغم هذه المخاوف، يبقى أمل الضحايا معلقاً في رؤية سوريا تنطلق إلى مستقبل يلبي حد أدنى من العدالة الحقيقية، حيث المساءلة، ومعرفة الحقيقة، والتعويض، وإعادة دمج الضحايا في المجتمع. في نهاية حديثه، يقول أحمد من دمشق: “نريد أن نرى العدالة ليست في الأوراق، بل في المحاكمات وفي اعتراف الدولة بحقوقنا… هذا هو الأمل الذي لا يزال يضيء لنا الطريق”.

- Advertisement -

- Advertisement -