لكل السوريين

عجلة الحياة تدور: نساء دمشق يعِدن تشكيل سوق العمل تحت ضغط الحرب والاقتصاد

دمشق/ مرجانة إسماعيل

شهدت دمشق في السنوات الأخيرة توسّعاً ملحوظاً في مشاركة النساء في مهن ومجالات عمل كانت تقليدياً تُعتبر حكراً على الرجال. هذا التحوّل لا يعد فقط مؤشّراً على تغيّر اجتماعي، بل على واقع اقتصادي صعب: كثير من الأسر فقدت معيلها بسبب الحرب أو الهجرة أو البطالة، فتولت النساء مسؤولية إعالة العائلة، فانخرطن في وظائف متعددة، من قيادة سيارات أجرة إلى بيع الخضار أو الطعام في الشارع، لتأمين لقمة العيش.

في حيّ القابون شمال شرق دمشق، تجد رنا، أرملة في الثلاثين من عمرها — تقود سيارة أجرة صغيرة منذ نحو عامين. كانت الحياة قبل الحرب مستقرة، لكنها فقدت زوجها في النزاع، فاضطرت للتخلي عن حلمها الجامعي والعمل، لتحمل مسؤولية تعليم طفليها. تقول رنا: «ما كان بالخيال أن أقود سيارة، بس لما صار الولد لقمة أولادي وأنا ما عندي من يعيلهم، صار لازم إني أشتغل». رغم المواقف السلبية التي واجهتها أول الأمر من بعض الركاب الذين رفضوا أن تركب امرأة، إلا أن حاجة الناس للنقل، خاصة في أوقات الذروة، جعلت معظمهم يقبل بالأمر، وبدأت تلقى طلباً من نساء يفضلن ركوب سائقة أنثى.

في منطقة دُمّر، تعمل سلمى من شرفة بيتها على بيع خضار وفواكه من بسطة صغيرة. بعد أن دُمّر محل زوجها التجاري وطُرد من عمله، لم يعد المنزل كافياً لإعالة العائلة. تقول سلمى: «أحمل الخضرة من سوق المهاجرين على باص، أنزل عند الدوّار، وأفتح بسطتي. بدل الصرخة عن الخبز، صار صياح الخضرة والفول والحاجة للناس». رغم التعب اليومي، تشعر أن هذه البسطة — الصغيرة والمتواضعة — هي العمود الذي يساعد أطفالها على إكمال الدراسة.

في مخيّم اليرموك، دخلت منال مجال الوساطة العقارية بعد إغلاق مكتب زوجها نتيجة الأوضاع الاقتصادية. أجرت مكتباً صغيراً في شارع تجاري، وأخذت تستقبل عروض الإيجار والبيع، تتعامل مع الزبائن، وتحضّر العقود. تقول: «البيع بالأرض صار صعب، بس الناس ما زالت تدور بيت. بدّلت الشغل بالحديد بالبطل. المكتب بلا رفاهية، بس رزق محترم». عمل منال لاقى قبول بعض الشبان الذين يفضّلون التعامل مع امرأة في أمور الإيجار — لما يرون أنها قد تكون أقل تحيّزاً أو مفاوضة بعقل هادئ.

وفي حيّ الصالحية القديم من العاصمة، تخرج “ليلى” كل صباح بعربتها الصغيرة تحمل سطل سحلب ساخن لتبيعه قرب محطات الحافلات أو المراكز المكتظة. بعد أن أصبح زوجها عاطلاً عن العمل، وارتفعت الفواتير، لم تجد إلا هذا العمل البسيط لتنقذ عائلتها من العوز. تقول: «السحلب يدفّي الناس، ويدفّي قلبي لما أشوف أولادي نايمين مرتاحين». في المساء، تجني بعض الربح المتواضع، لكنها تعتبره صمام أمن لأولادها في بيت متعب منذ سنوات.

هذه التحولات ليست مفاجئة. انخفاض عدد الرجال، وفاة، اعتقال، هجرة أو بطالة، أجبر نساء كثيرات على أن يصبحن معيلات أسرهن. في نفس الوقت، بدأ سوق العمل في دمشق يستوعب حضور نساء في مهن كانت تُصنّف بالذكورية: نقل، تجارة، خدمات، مراكز إسعاف أو رعاية بسيطة، عمل حر في محال الأسواق، وغيرها.

لكن الطريق لم يكن سهلاً. النساء اللاتي دخلن هذه المهن واجهن في البداية رفض المجتمع، أحياناً سخريةً، أو انتقادات، خاصة من جهات تعتبر أن “مكان المرأة البيت”. “رنا” تقول إن بعض الركاب كانوا يصرخون عليها إذا لم توفّر مقعداً للكل أو إذا توقفت وقت طويل، وحاولوا أن ينزلوا. “سلمى” واجهت أياماً خالية من الزبائن خشية من أن يشتروا خضرتها من رجل.

كما أن الدخل في هذه الأعمال غالباً ما يكون هشاً ومتواضعاً: ربح يوم “جيد” في بيع الخضار أو السحلب قد لا يتجاوز كلفة تنقّل أو طنّ عمل، وساعات العمل طويلة، من الفجر حتى الليل، دون ضمان صحي أو تأمين. “منال” أشارت لأنها غالباً تعمل وحدها في المكتب، وتتعب في مرافقة المعاملات والزيارات، كما أنّ الخطر قائم إن تأخرت دفعة الإيجار أو ارتفع سعر الكهرباء أو الورق.

من جهة أخرى، تقول نساء أخريات إن التجربة رغم صعوبتها أعطتهن استقلاليةً لم يعرفنها من قبل، استقلالية في القرار، في الإنفاق، في المسؤولية. “ليلى” تقول: «ما حد بيسأل إذا شغلي مناسب أو لا، الشغل مهم لقلب عيلتي ينبض». و”رنا” تقول: «أكبر شغلة بنيناها اليوم: كرامتنا وماشي نجري على رزقنا بأيدنا».

القوة والاصرار اللذان أظهرتهما هؤلاء النساء أحدثا تغيّراً تدريجياً في المجتمع، وفتحا مساحة لقبول المرأة في وظائف كانت مستحيلة قبل الحرب. التجارب اليومية تؤكد أن الحاجة الاقتصادية والاعتماد على الذات جعلتا من المرأة السورية عاملاً رئيسياً في سوق العمل، وقدرةً على التكيف مع الظروف الصعبة.

في كل حال، الواقع اليوم يقول إن النساء في دمشق — مراعاةً لأحياء مثل القابون، اليرموك، دُمّر، الصالحية، وغيرها — لم ينتظرن أن يتغير المجتمع. هنّ غيّرن واقعاً مفروضاً عليهن، وتحمّلن مسؤولية بقاء أسرهن رغم الصعوبات. المهن التي اخترنها، سائقة تاكسي، بائعة خضار، وسيطة عقارية، بائعة فول أو سحلب، تؤكد أن الحاجة قادرة على كسر الحواجز، وأن المرأة السورية أثبتت أن الإرادة ليست مقيدة بقوالب تقليدية.

- Advertisement -

- Advertisement -