دمشق
اختتم طلاب المعهد العالي للموسيقى بدمشق ورشة العمل الموسيقية التي أقيمت بإشراف العازف الأمريكي ريتشارد هارتشورن، بأمسية موسيقية مبهرة على مسرح الدراما في دار الأوبرا، عزفوا خلالها مجموعة من روائع موسيقى الحجرة بمشاركة طلاب من مختلف أقسام المعهد، ليقدّموا للجمهور خلاصة أيام من التدريب المكثّف والتجربة الإبداعية الغنية.
جاءت الأمسية تتويجاً لمشروع فني وتربوي جمع بين الدقة الأكاديمية وروح الأداء الجماعي، حيث ركّزت الورشة التي استمرت عدة أيام على تطوير مهارات التناغم بين العازفين وتعزيز حسّ التواصل الموسيقي بينهم.
وتنقّلت الفقرات بين أعمال ثلاثة من أبرز مؤلفي المدرسة الرومانسية في روسيا وتشيكيا، فغلب على الأمسية طابع العاطفة العميقة والخيال الواسع الذي يميز تلك المرحلة من تاريخ الموسيقى الأوروبية.
افتتحت الأمسية بمعزوفة للروسي ألكسندر بورودين، هي الرباعية الوترية التي كتبها إهداءً لزوجته بمناسبة مرور عشرين عاماً على لقائهما في مدينة هايدلبرغ الألمانية، لتغمر الأجواء بنفحات حبّ وحنين.
وتلاها أداء الثلاثية الشهيرة للمؤلف أنطون أرينسكي، التي خصصها تخليداً لذكرى عازف التشيلو الروسي كارل دافيدوف، قبل أن تختتم الأمسية بعمل للمؤلف التشيكي أنتونين دفورجاك، الذي استلهم ألحانه من رمزية زهرة الأقحوان في الثقافة البوهيمية، رمز النقاء والعفوية والحياة.
أظهر طلاب المعهد خلال الأمسية أداءً اتسم بالتماسك والانسجام، عكس مستوىً فنياً متقدماً وقدرة على العمل الجماعي، سواء في التشكيلات الثلاثية أو الرباعية أو الخماسية الوترية، فبدت روح الفريق واضحة في كل نغمة وحركة، وتحول العزف إلى حوار موسيقي نابض بالحياة.
وأوضحت راما نصري، رئيسة قسم المواد النظرية في المعهد وعازفة البيانو، أن العازف الأمريكي هارتشورن يمتلك خبرة تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً في إدارة مؤسسة أمريكية تُعنى بتدريب فرق موسيقا الحجرة، وأن مشروعه يركّز على نشر الموسيقا في البلدان التي عانت من ويلات الحروب، معتبرةً أن الورشة شكّلت نموذجاً للتبادل الثقافي المثمر بين الفنانين الشباب والخبراء العالميين.
وأضافت أن هارتشورن لم يكتفِ بتقديم الورشة التدريبية داخل المعهد، بل نظّم أيضاً حفلتين موسيقيتين في داريا ودمشق بمشاركة الطلاب، في خطوة تهدف إلى ترسيخ ثقافة الفن الحيّ وإعادة إحياء الفعل الموسيقي في المجتمعات التي اختبرت الصراع.
من جهته، رأى المثنّى علي، رئيس قسم موسيقى الحجرة في المعهد، أن الأمسية لم تكن مجرد عرض فني، بل تجربة إنسانية تعكس التقاء الثقافات وتداخلها، موضحاً أن حضور موسيقي عالمي بحجم هارتشورن أضفى على الحدث بعداً إنسانياً عميقاً، وعزز لدى الطلاب روح التفاهم الفني والانسجام الداخلي.
وأشار علي إلى أن أداء العازفين الشباب جسّد قدرة جيلٍ جديدٍ من الموسيقيين السوريين على التعبير عن مشاعرهم الصادقة وإيصال رسائل فنية راقية تتجاوز حدود اللغة والمكان، مؤكداً أن الفن الموسيقي يظل مساحةً للتلاقي بين الشعوب مهما تباعدت ثقافاتها واختلفت لغاتها.
وهكذا لم تكن الأمسية مجرد ختامٍ لورشة تدريبية، بل احتفاءً بالحياة وبالقدرة على تجاوز الألم عبر النغم، ورسالةً جديدة تؤكد أن الموسيقا في سوريا ما زالت تنبض بالأمل، وتعيد عبر أوتارها رسم ملامح الغد بلغةٍ لا تعرف سوى الجمال.