درعا/ رجاء مختار
مع بدء العام الدراسي يوم الأحد الحادي والعشرين من أيلول، تنتفض محافظة درعا بأملٍ وخوف معًا. الأمل في أن يكون هذا العام أفضل من الذي سبقه، والخوف من أن تبقى كثير من المشاكل بدون حلول عملية، وخصوصًا في قطاع التعليم الذي يعد من الأكثر تضررًا خلال سنوات النزاع. الواقع في درعا يختزن أرقامًا وشهادات تُظهر أن المعاناة أكبر من أن تُختصر بمدارس مدمَّرة أو نقص معلمين فقط.
أول ما تستوقفك الأرقام الموثقة رسميًا وعلى لسان العاملين والمواطنين: درعا تضم نحو 960 مدرسة، منها 11 مدرسة مدمّرة بالكامل، و76 تحتاج إلى ترميم جزئي إنشائي، بينما هناك حوالي 430 مدرسة بين الخفيفة والمتوسطة في الأضرار. معظمها في الريف، في بلدات مثل غصم، الشجرة، ومحجة.
بدأت المحافظة تنفيذ ما يُعرف بالمشروع الأول لمرحلة ترميم المدارس المتضررة، حيث تم اختيار دفعة أولى من 160 مدرسة من بين المدارس التي تحتاج إلى إصلاحات. الحملة الأهلية “أبشري حوران” تمثل أحد محاور الدعم، إلى جانب مساهمات محلية ومنظمات مثل مجلس كنائس الشرق الأوسط ومنظمة “رحمة بلا حدود”.
غير أن هذه الجهود رغم أهميتها لم تكفِ لسد الفجوة الواسعة في قدرة المدارس على استيعاب الطلاب، خصوصًا مع عودة بعض النازحين من السويداء إلى درعا واستقرارهم مؤقتًا في مدارس. أنباءٌ وردت خلال الأيام الماضية أن 52 مدرسة في ريف درعا الشرقي تُستخدم حاليًا لإيواء العائلات النازحة من السويداء، معظمها في حالة تحتاج إلى تأهيل وتجهيز لاستقبال العملية التعليمية بشكل لائق. هذه المدارس مُمهَّل سكانها بالإخلاء قبل انطلاق العام، دون توفر بدائل سكنية كافية لهم.
من جهة أخرى، تسرب الطلاب من التعليم ما زال ظاهرة بارزة في المحافظة. تقرير صادر عن درعا 24 يفيد بأن عدد المدارس التي خرجت عن الخدمة في المحافظة يصل إلى 126 مدرسة حسب ما ورد في إحصاءات مديرية التربية. في العام الدراسي 2022–2023 سجّلت الوزارة نسبة تسرب بلغت حوالي 4.28% على مستوى مواد التعليم الإلزامي، مقارنة بـ 3.98% في العام الذي قبله، ما يعني ارتفاعًا طفيفًا لكن مهمًا في ظل تراجع موارد الأسر وتفاقم الأوضاع الاقتصادية. حالات التسرب مرتبطة غالبًا بصعوبة توفر وسائل النقل، أو توزيع المدارس، أو أن المدارس التي تعمل – رغم استمرارها – تفتقر إلى عدد كافٍ من المعلمين أو أن التجهيزات غير مناسبة.
أحد المعلمين في بلدة غصم، وهو من المشاركين في عمليات الترميم، يقول إن مشكلة المقاعد غير كافية، والسبورات تالفة، والنوافذ بها ثقوب أو غير مغلقة بإحكام، ناهيك أن بعض الفصول تفتقر لأبواب أو للنوافذ مما يجعلها غير آمنة أو قابلة للاستخدام خلال الطقس الشتوي أو الأمطار. يعزو البعض ذلك إلى تأخر التوريد أو إلى نقص الموارد المالية لتجهيز المدارس بعد الترميمات الأساسية.
من الأسر ذات العائلات النازحة من السويداء، تقول سمية العلي المقيمة في مدرسة ثانوية داعل إن “إيجار منزل أصبح يفوق الطموح”، وإنهم لا يستطيعون الانتقال من المدرسة إلى بيت للإيجار بميزانية قليلة. وبالتالي حتى إن أُجبرت المدرسة النازحة على الإخلاء، فإن الأسر تفتقر لبدائل. مدير تربية درعا، محمد الكفري، أكد لعن بلدي أن هناك دراسة لإيجاد مراكز إيواء بديلة، لكن حتى الآن لم تُنفّذ بالكامل، خصوصًا أن الترميم يُعطّل فيه الكثير من الإجراءات البيروقراطية، ويُمارَس على دفعات متقطعة.
الاتجاه المحلي في درعا يبذل جهودًا ملحوظة – المدارس والمجالس المحلية والمعلمين والأهالي يشاركون في حملات التنظيف، الدهان، إصلاح النوافذ، وترميم ما يمكن من المرافق الخارجية – كالساحات والأسوار. لكن هذا لا يعفي الجهات الحكومية من مسؤوليتها في توفير دعم أوسع، وتوفير ميزانيات صيانة مستمرة، وتوزيع مستلزمات التعليم الأساسية (مقاعد، سبورات، كتب) بالإضافة إلى البنى التحتية – كهرباء، مياه، مراحيض.
من المهم أن يُنظر إلى الترميم ليس فقط كمأوى وصيانة للمباني، بل لضمان استمرارية التعليم، ولمنع مزيدٍ من التسرب. فعندما تفتقر المدرسة إلى الأثاث أو المقاعد أو يكون الفصل مكتظًا جدًا، حينها تفقد العملية التعليمية قيمتها في عيون كثير من الطلاب والأسر. وكذلك، عندما يُستخدم الفصل كمسكن للنازحين دون تنظيفه أو تصليحه قبل بداية العام، فإن ذلك يخلق إحساسًا بأن التعليم هو آخر أولوياتهم.
أما على المستوى المالي، فقد أعلنت محافظة درعا عن بدء المرحلة الأولى من مشروع لترميم 200 مدرسة من بين نحو 730 مدرسة متضررة في المحافظة. تقديرات تلفزيون سوريا مثّلّت أن عدد المدارس المتضررة (كليًا أو جزئيًا) يصل إلى هذه الأرقام. بحسب المصادر، الحملة الأهلية “أبشري حوران” تسعى إلى جمع تمويل يقدر بحوالي 12 مليون و200 ألف دولار، لتغطية الترميمات اللازمة في قطاع التعليم.
وسط هذا الواقع، مدارسٌ كثيرةٌ ما تزال بلا أثاثٍ كافٍ، بلا تجهيزات لوجستية جيدة، أو حتى مراحيض عاملة والمياه. في بعض المدارس لا توجد سبورات جديدة، أو المقاعد مكسورة، أو تم استبدالها مؤقتًا بأخشاب مهترئة. في بلدة الفرافرة مثلاً، أخبر بعض أولياء الأمور أن أولادهم سيبدؤون الدراسة في صفوف لا تحتوي إلا القليل من المقاعد، وبعضها يجلس على الأرض. هذه الحالات تؤكد أن الترميم مهما كان مهمًا، ما يزال هناك فراغ كبير في تأثيث المدارس وتجهيزها للعمل اليومي بكرامة.
يبدو أن محافظة درعا أمام عام دراسي يحمل عبئًا كبيرًا: من استيعاب الطلب المتوقع، إلى إعمار بناها التحتية التعليمية، وضمان أن كل طالب يستطيع الحضور إلى فصل دراسي لائق، لا فصول متداعية ولا نقص في الأساسيات. إذا ما نجحت الجهود المحلية والدعم الحكومي والدولي، فقد يكون هناك تحسّن ملموس، وإن لم يحدث سريعًا فقد يخسر التعليم في درعا مزيدًا من الأجيال.