بعد أن كانت سوريا تُصنّف خالية من شلل الأطفال منذ نهاية التسعينيات، عاد المرض ليطل برأسه عام 2013 وسط أجواء الحرب التي دمّرت البنية التحتية الصحية وأضعفت حملات التطعيم. ورغم السيطرة على أكثر من تفشٍ خطير منذ ذلك الوقت، ما يزال شلل الأطفال يشكل تهديداً دائماً للأطفال السوريين، في ظل التحذيرات الدولية من عودته في أي لحظة.
من الغياب إلى العودة: قصة مرض لا يعرف الحدود
كان آخر ظهور لفيروس شلل الأطفال البري في سوريا عام 1999، قبل أن تُعلن البلاد خالية منه بفضل حملات التطعيم الوطنية الواسعة. لكن مع اندلاع النزاع عام 2011، تغيّر المشهد: آلاف المراكز الصحية تعطلت، سلاسل التبريد اللقاحي تضررت، وملايين الأطفال نزحوا بعيداً عن الخدمات الأساسية.
في خريف 2013، ظهرت أولى الإصابات المؤكدة في محافظة دير الزور، ليتم الإعلان عن تفشٍ هو الأخطر في المنطقة منذ عقود. ورغم استجابة عاجلة عبر حملات تطعيم طارئة، لم يكن هذا التفشّي الأخير. ففي عام 2017، سجّلت سوريا تفشياً جديداً، لكن هذه المرة بفيروس مشتق من اللقاح، تسبب بإصابة أكثر من 70 طفلاً بالشلل الدائم.
جهود دولية ومحلية لكبح الوباء
المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية واليونيسف، سارعت للتعاون مع وزارة الصحة السورية لإطلاق حملات تطعيم واسعة شملت ملايين الأطفال، بما في ذلك في المناطق صعبة الوصول.
وفي عام 2018، أعلنت منظمة الصحة العالمية السيطرة رسمياً على تفشّي 2017، مؤكدة خلو سوريا من الفيروس البري، لكنها شددت على أن البلاد ما تزال في دائرة الخطر.
في السنوات الأخيرة، أطلقت سوريا عدة حملات وطنية للتطعيم، آخرها في 2023 عقب الزلزال المدمّر الذي ضرب شمال البلاد، حيث جرى تطعيم مئات الآلاف من الأطفال ضد شلل الأطفال والحصبة، في خطوة اعتبرتها المنظمات الدولية حيوية لمنع ظهور بؤر جديدة.
عوامل الخطر: حرب ونزوح وضعف في التغطية
يُجمع خبراء الصحة على أن سوريا ما تزال مهددة بتفشيات جديدة، خصوصاً مع بقاء عدة عوامل خطرة:
تراجع التغطية اللقاحية: قبل الحرب كانت النسبة تفوق 90%، لكنها تراجعت في بعض المناطق إلى أقل من 60%.
النزوح الجماعي: ملايين الأطفال يعيشون في مخيمات مكتظة، ما يجعلهم عرضة لأي تفشٍ فيروسي.
تدمير البنية الصحية: مئات المراكز خرجت عن الخدمة، وأجهزة حفظ اللقاح لم تعد تعمل بكفاءة.
صعوبة الوصول: مناطق محاصرة أو خارجة عن السيطرة تعيق عمل فرق التطعيم.
خطر الاستيراد: مع وجود حالات شلل الأطفال في دول أخرى، فإن انتقال الفيروس إلى سوريا يبقى احتمالاً قائماً.
تحذيرات متكررة
منظمة الصحة العالمية حذّرت مراراً من أن أي حالة إصابة واحدة قد تتحول إلى وباء واسع إذا لم تُكتشف مبكراً. كما نبهت إلى خطورة الفيروسات المشتقة من اللقاح، والتي سبق أن تسببت بتفشٍ واسع في دير الزور عام 2017.
“أي طفل غير مطعّم اليوم هو فرصة للفيروس كي يعود غداً” ، هكذا علّق أحد مسؤولي منظمة الصحة العالمية في دمشق، مضيفاً أن “الحل الوحيد هو رفع التغطية اللقاحية إلى مستويات تتجاوز 95% لضمان مناعة مجتمعية فعالة.”
المستقبل رهن اللقاح
ورغم قتامة المشهد، تؤكد التجارب السابقة أن السيطرة على شلل الأطفال ممكنة إذا تضافرت الجهود. فنجاح حملات التطعيم السابقة أظهر أن المرض يمكن محاصرته حتى في أصعب الظروف. لكن التحدي الأكبر يبقى في الوصول إلى كل طفل، بلا استثناء، وضمان استمرار التمويل الدولي والدعم اللوجستي حتى تعود سوريا إلى خارطة الدول الخالية من الخطر بشكل نهائي.
شلل الأطفال في سوريا لم يعد مجرد ملف صحي، بل قضية إنسانية ترتبط بالحرب والنزوح وغياب العدالة الصحية. وبين تحذيرات الخبراء وجهود التطعيم المستمرة، يبقى مستقبل آلاف الأطفال رهناً بلقاح بسيط قد يحمي حياتهم من شلل دائم.