السوري ـ الحسكة
من صرحٍ طبي كان يستقبل مئات المرضى يومياً ويخدم عشرات آلاف السكان في مدينة رأس العين وريفها، إلى مشفى شبه فارغ لا يعمل فيه سوى طبيب متطوع وعدد محدود من الممرضين.. هكذا تبدو اليوم صورة مشفى رأس العين الوطني، في مشهد يلخص حجم الانهيار الذي يضرب القطاع الصحي في شمال سوريا.
ويعيش المشفى، الذي يُعد أحد أبرز وأكبر المراكز الطبية الحكومية في المنطقة، أزمة غير مسبوقة تهدد بخروجه الكامل عن الخدمة، نتيجة النقص الحاد في الكوادر الطبية والتمريضية، وتوقف صرف الرواتب، إضافة إلى ضعف الدعم الطبي واللوجستي، ما وضع آلاف المدنيين أمام واقع صحي بالغ الخطورة، خاصة مع غياب البدائل القادرة على استيعاب الاحتياجات المتزايدة للسكان.
مشفى بطبيب واحد
وبحسب مصادر محلية مطلعة، لم يتبقَّ حالياً داخل مشفى رأس العين الوطني سوى طبيب واحد متطوع يتابع الحالات الإسعافية والمرضى، بمساعدة أربعة إلى خمسة ممرضين فقط، في وقت تحتاج فيه المدينة إلى عشرات الأطباء والمختصين لتغطية الحد الأدنى من الخدمات الصحية.
وتؤكد المصادر أن أقساماً كاملة داخل المشفى باتت شبه متوقفة عن العمل، مع غياب اختصاصات أساسية مثل الجراحة والنسائية والأطفال والتخدير، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والمعدات اللازمة لإجراء العمليات أو التعامل مع الحالات الحرجة.
ويخشى الأهالي من انهيار المشفى بشكل كامل خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع استمرار تراجع الدعم وانقطاع رواتب العاملين منذ أشهر، ما دفع عدداً كبيراً من الكوادر الطبية إلى مغادرة العمل أو البحث عن فرص بديلة تؤمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
من مركز طبي رئيسي إلى “هيكل فارغ”
وخلال السنوات الماضية، شكّل مشفى رأس العين الوطني مركزاً طبياً رئيسياً لسكان المدينة والقرى المحيطة بها، وكان يستقبل أعداداً كبيرة من المرضى بشكل يومي، في ظل محدودية المراكز الصحية الأخرى في المنطقة.
وبحسب شهادات محلية، استمر المشفى بالعمل على مدار الساعة خلال سنوات الحرب، حتى في أصعب الظروف الأمنية والخدمية، مستفيداً من انتظام نسبي في صرف رواتب الكوادر الطبية والتمريضية، الأمر الذي ساعد في الحفاظ على استمرارية الخدمات الطبية.
إلا أن الوضع تغيّر بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة، بعد توقف صرف الرواتب منذ نحو أربعة أشهر، بالتزامن مع تراجع الدعم المقدم للقطاع الصحي، ما أدى إلى مغادرة أعداد من الأطباء والممرضين والعاملين، وانخفاض القدرة التشغيلية للمشفى إلى مستويات غير مسبوقة.
ويقول أحد العاملين في القطاع الصحي، فضل عدم الكشف عن اسمه، إن “المشفى أصبح شبه خارج الخدمة، ولم يعد قادراً على استقبال جميع الحالات أو إجراء العمليات الضرورية، في ظل وجود طبيب واحد فقط وعدد محدود جداً من الممرضين”.
وأضاف أن “الكوادر الطبية لم تتقاضَ أي رواتب منذ أشهر، وهو ما دفع كثيرين إلى ترك العمل، لأن معظم العاملين يعتمدون بشكل كامل على هذه الرواتب لإعالة أسرهم”.
الأهالي: المرضى يدفعون الثمن
في المقابل، يعبّر سكان رأس العين عن مخاوف متزايدة من التداعيات الإنسانية لاستمرار تدهور الوضع الصحي، خاصة بالنسبة للمرضى المزمنين والأطفال والنساء الحوامل والحالات الإسعافية.
وتقول السيدة “هـ.ز”، وهي من سكان المدينة، إن المشفى الوطني “يمثل المرفق الصحي الوحيد القادر على استقبال الحالات الطارئة”، مشيرة إلى أن تراجع خدماته يضع الأهالي أمام خيارات صعبة، أبرزها السفر إلى مدن أخرى لتلقي العلاج، مع ما يرافق ذلك من تكاليف مالية ومخاطر صحية.
وأضافت أن “الكثير من العائلات لم تعد قادرة على تحمل نفقات التنقل والعلاج في المشافي الخاصة، لذلك فإن انهيار المشفى يعني حرمان آلاف الأشخاص من حقهم الأساسي في الرعاية الصحية”.
ويؤكد سكان محليون أن العديد من المرضى باتوا يضطرون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مشافٍ في مدن أخرى، في وقت تعاني فيه المنطقة من أوضاع اقتصادية متدهورة وارتفاع كبير في تكاليف النقل والعلاج.
أزمة صحية تتجاوز رأس العين
ولا تقتصر أزمة القطاع الصحي على مدينة رأس العين وحدها، إذ تعاني مناطق واسعة في شمال سوريا من تراجع الخدمات الطبية نتيجة نقص التمويل، وضعف الدعم الدولي، وهجرة الكوادر الطبية، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصحية خلال سنوات النزاع.
وتشير تقديرات أممية وتقارير إنسانية سابقة إلى أن نسبة كبيرة من المنشآت الطبية في سوريا خرجت عن الخدمة أو تعمل بقدرات محدودة، بينما يواجه ملايين السوريين صعوبات متزايدة في الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية.
ويرى مختصون في الشأن الإنساني أن استمرار تراجع القطاع الصحي في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية ينذر بكارثة إنسانية صامتة، خاصة مع ارتفاع معدلات الفقر وانتشار الأمراض المزمنة وتراجع الخدمات الوقائية والعلاجية.
دعوات لإنقاذ المشفى قبل فوات الأوان
ومع استمرار الأزمة، تتصاعد الدعوات الشعبية والحقوقية لتوفير دعم عاجل لمشفى رأس العين الوطني، يشمل صرف رواتب الكوادر الطبية وتأمين الأدوية والمستلزمات الأساسية وإعادة تفعيل الأقسام المتوقفة.
ويؤكد ناشطون محليون أن إنقاذ المشفى لم يعد قضية خدمية فقط، بل ضرورة إنسانية عاجلة تتعلق بحياة آلاف المدنيين، محذرين من أن خروجه الكامل عن الخدمة سيضاعف معاناة السكان ويفاقم الأزمة الصحية في المنطقة.
وفي ظل غياب أي حلول قريبة أو خطط واضحة لدعم القطاع الصحي، يبقى مشفى رأس العين الوطني شاهداً على واقع الانهيار الذي يعيشه القطاع الطبي في شمال سوريا، حيث تحوّل أحد أهم الصروح الطبية في المنطقة إلى مرفق يكافح للبقاء بطبيب واحد فقط.