حاوره/ مجد محمد
نوه حسن الدرويش على أنه في الوقت الذي تتوالى فيه الدعوات لإقصاء تيارات الإسلام السياسي من الساحة السورية، يبقى الأمل أن تتحول هذه النقاشات إلى فرصة فعلية لمراجعة شاملة للمشهد السياسي والديني في سوريا، والبحث عن قواسم مشتركة تؤسس لمستقبل تعددي، حر، وشامل لكل السوريين.
أعادت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها عدد من الشخصيات المقربة من الحكومة السورية المؤقتة، حول ضرورة حل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، فتح النقاش حول طبيعة الإسلام السياسي، ودوره في الحياة العامة، وحدود مشاركته في الفضاء السياسي السوري، بين من يرى الخطوة ضرورية لتنظيف المجال العام من التوظيف الديني، ومن يعتبرها مجرد إعادة توزيع للنفوذ داخل المعارضة، يبقى التساؤل مطروحاً: هل هناك فرصة لبناء مشروع وطني ديمقراطي لا تهيمن عليه الأيديولوجيات الدينية؟
وتبرز تساؤلات عميقة حول شكل الدولة القادمة، وهوية المجتمع السياسي الجديد، والرؤية للعلاقة بين الدين والدولة، وعن الملامح التي يجب أن يتسم بها أي مشروع وطني جامع في سوريا المستقبل.
وبهذا الخصوص عقدت صحيفتنا السوري حواراً مطولاً مع الأستاذ حسن الدرويش عضو حركة التجدد والتحرر، ودار الحوار التالي:
*بداية، كيف تقيمون الدعوات الأخيرة لحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا؟
نحن نتابع هذه التطورات باهتمام بالغ، ليس فقط لكونها تمس فاعلاً سياسياً كان حاضراً بقوة في المعارضة، بل لأنها تعيد طرح الأسئلة الجوهرية حول العلاقة بين الدين والسياسة في سوريا، من حيث المبدأ، لسنا ضد مراجعة تجربة جماعة الإخوان أو غيرها من التيارات، بل نعتبر المراجعة النقدية ضرورة إذا أردنا الخروج من الحلقة المفرغة التي دخلت فيها سوريا منذ عقود، لكن ما نلاحظه هو أن هذه الدعوات تأتي في سياق تنافس داخلي بين تيارات الإسلام السياسي نفسها، ومحاولة من بعض الأطراف لإعادة تموضعها داخل المشهد، لا عن قناعة بضرورة الفصل بين الديني والسياسي، لذلك ما لم تكن هذه المواقف جزءاً من مراجعة أوسع لمجمل السياسات، فإنها تبقى مناورات سياسية محدودة الأثر.
*هل ترون في جماعة الإخوان المسلمين تهديداً لمستقبل سوريا الديمقراطي؟
لا نستخدم مصطلح تهديد بمعناه الأمني فقط، بل ننظر إلى المسألة من زاوية المشروع الذي تحمله الجماعة، الإخوان المسلمين كتنظيم سياسي ديني، يقدم رؤية تقوم على مركزية المرجعية الدينية، وعلى مفهوم الحكم الإسلامي الذي لا ينسجم مع فكرة الدولة المدنية الحديثة التي تتسع للجميع، نحن نعتقد أن سوريا لا تحتاج إلى قوالب فكرية مغلقة تفرض باسم الدين، بل إلى مشروع سياسي مفتوح يعترف بالتعدد ويؤمن بالاختلاف، تجربة الجماعة، سواء في سوريا أو في دول أخرى، لم تثبت أنها تتجه نحو الديمقراطية الحقيقية، بل غالباً ما تتحول إلى سلطة دينية جديدة تتبنى خطاباً إقصائياً مغلفاً بلغة معتدلة.
*البعض يرى أن حل الإخوان هو نوع من الإقصاء السياسي، كيف تردون على ذلك؟
الإقصاء لا يحدث عندما يتم رفض فكر لا يؤمن بالتعدد، بل عندما يقصى من يؤمن بالديمقراطية، نحن لا ندعو لإقصاء أحد بسبب توجهه الفكري، بل نطالب بوضع حد لأي مشروع سياسي لا يعترف بحقوق جميع المواطنين بشكل متساوي، التيارات الإسلامية السياسية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، تبنت خطاباً إقصائياً طويلاً، ليس فقط تجاه الأقليات الدينية والقومية، بل حتى تجاه المختلفين فكرياً داخل الطيف السني نفسه، ولذلك أي دعوة لإعادة النظر في موقع هذه التيارات ليست استهدافاً، بل هي محاولة لتصحيح مسار الحياة السياسية في سوريا.
*ما هو موقفكم من الإسلام السياسي بشكل عام؟
نحن نميز بوضوح بين الدين والإسلام السياسي، الدين مسألة روحية وشخصية نحترمها ونعترف بأهميتها في حياة الأفراد والمجتمعات، أما الإسلام السياسي، فهو استخدام الدين كأداة للوصول إلى الحكم وبسط النفوذ، وهذا ما نرفضه بوضوح، الإسلام السياسي، كما عرفناه في السياق السوري والعربي، لم يكن يوماً حاملاً لمشروع وطني شامل، بل لطالما كان أداة للاستقطاب والانقسام، لذلك، موقفنا واضح وهو لا مكان للسياسة المؤدلجة دينياً في دولة مدنية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان.
*هل ترون أن الدعوات الحالية لحل الإخوان تعكس تحولاً حقيقياً في خطاب المعارضة؟
نحن نأمل ذلك، لكن الواقع يشير إلى غير ذلك، للأسف المعارضة الرسمية لم تجري مراجعات فكرية أو سياسية جذرية حتى اليوم، ما زالت رهينة تحالفات إقليمية وأجندات دينية، وغالباً ما تأتي مواقفها كرد فعل لا كجزء من رؤية استراتيجية، لذلك إن لم تكن الدعوة لحل الإخوان مرتبطة بإعادة صياغة للمشروع السياسي ككل، بما يشمل بنية المعارضة وهيكليتها وعلاقتها مع القوى الإقليمية، فإن الأمر سيبقى خطوة شكلية.
*كيف تعاملت الإدارة الذاتية مع الدين في مناطق سيطرتها؟
بمنهجية واضحة تحترم التعدد الديني وتبعد الدين عن السياسة، في مناطق الإدارة الذاتية يتمتع الناس بحرية ممارسة شعائرهم الدينية دون تدخل أو قيود، في الوقت نفسه، مؤسسات الحكم والإدارة مدنية بالكامل، ولا تخضع لأي مرجعية دينية، نحن نشجع على وجود بيئة تحترم الدين، ولكن تمنع استخدامه كسلاح سياسي، لدينا مؤسسات دينية مستقلة تقوم بدورها التربوي والتوعوي، لكنها لا تتدخل في القرار السياسي أو التشريعي.
*هل توجد تيارات إسلامية سياسية ناشطة في مناطق الإدارة الذاتية؟
لا، ولا نسعى لتوفير حاضنة لهذا النوع من المشاريع، فلسفة الإدارة الذاتية تقوم على احترام التعدد الثقافي والديني، ولكن ضمن إطار مدني غير مؤدلج، لا مكان للأحزاب الدينية، سواء كانت إسلامية أو غيرها، لأن التجربة السورية أثبتت أن الحزبية الدينية تفتح الباب للتفرقة والاحتراب الداخلي.
*كيف تقيمون تجربة جماعة الإخوان خلال الثورة السورية؟
من المؤسف أن الجماعة لم تستطع التفاعل مع روح الثورة بشكل حقيقي، بدلاً من المساهمة في بلورة مشروع وطني شامل، عملت الجماعة على استثمار اللحظة الثورية لتعزيز حضورها السياسي، مدعومة من بعض القوى الإقليمية، النتيجة كانت تهميش الكفاءات الوطنية، وتغليب الطابع الأيديولوجي على المشروع السياسي، وهو ما أسهم في انقسام المعارضة، وغياب الرؤية الموحدة، ومن ثم تعثر المسار الثوري.
*هل تعتقدون أن فصل الدين عن الدولة ضرورة لبناء سوريا الجديدة؟
نعم، وبشكل قاطع لا يمكن بناء دولة حديثة دون فصل واضح بين الدين والسياسة، هذا لا يعني تهميش الدين أو إقصاء المتدينين، بل حماية الدين من التوظيف السياسي، وحماية السياسة من القداسة، الدولة يجب أن تكون محايدة تجاه جميع الأديان والمذاهب، وأن تضمن حرية المعتقد، مع الالتزام بقوانين مدنية تطبق على الجميع دون تمييز.
*هناك من يقول إن الإخوان أقل تطرفاً من جماعات أخرى، كيف ترون هذا الطرح؟
الاعتدال لا يقاس بالمقارنة مع الأسوأ، بل بالقدرة على قبول التعدد والتنوع وحقوق الإنسان، صحيح أن جماعة الإخوان لا تعتمد وسائل عنيفة بالضرورة، لكنها تحمل في جوهرها مشروعاً لا يعترف بالتعدد، وهو ما يخالف أسس الدولة المدنية، الاعتدال الحقيقي هو أن تؤمن أن لكل إنسان الحق في أن يختلف عنك، دون أن يعامل كمواطن من الدرجة الثانية، وهذا ما لم نشهده في مواقف أو أدبيات الجماعة.
*هل تفتح هذه التحولات الباب لتقارب بين الإدارة الذاتية وباقي أطراف المعارضة؟
نحن منفتحون على أي حوار جاد وبناء، بشرط أن يكون قائماً على أسس واضحة، وهي الاعتراف بالإدارة الذاتية كجزء من الحل السياسي في سوريا، واحترام إرادة شعوب شمال وشرق سوريا، والتخلي عن الخطابات الإقصائية والأيديولوجيات المغلقة، ولا نعارض التفاهمات السياسية، لكننا نرفض العودة إلى المركزية أو فرض أجندات باسم الوحدة الوطنية التي تستخدم أحياناً كغطاء لإقصاء المكونات المجتمعية، التقارب يجب أن يكون على قاعدة شراكة حقيقية، لا هيمنة طرف على آخر.
*في حال جرت مراجعة فكرية داخل تيارات الإسلام السياسي، هل ستغيرون موقفكم منها؟
المراجعة الحقيقية لا تعني فقط تغيير الخطاب الإعلامي، بل مراجعة جوهر المشروع السياسي، إذا قدمت أي جهة مراجعة فكرية عميقة تتضمن قبولاً فعليا ًبالتعددية والمواطنة المتساوية، وفصلاً للدين عن الدولة، فبالطبع سننظر إلى ذلك بإيجابية، لكننا نرى حتى الآن أن أغلب هذه المراجعات، إن وجدت، تبقى سطحية، وتستخدم لأغراض تكتيكية وليس تحولاً استراتيجياً.
*ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الدينية في سوريا دون أن تتحول لأداة سياسية؟
نحن نرى أن المؤسسات الدينية يجب أن تركز على دورها الأخلاقي والتربوي والروحي، لا أن تدخل معترك الصراع السياسي أو تكون أدوات بيد الأحزاب أو الأنظمة، عليها أن تعزز قيم التعايش والتسامح والحوار، وأن تقف على مسافة واحدة من جميع الأطياف السياسية والدينية، في مناطق الإدارة الذاتية، نسعى إلى بناء نموذج يحتضن الدين كمكون روحي، دون أن يكون سلطة فوق المجتمع أو منافساً للدولة.
*ما هو موقفكم من المواطنين المتدينين أو المحافظين؟ هل يشعرون بالتهميش في نموذجكم؟
بالعكس تماماً نموذجنا قائم على ضمان حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، لا يوجد لدينا أي تمييز على أساس المعتقد أو درجة التدين، هناك جوامع وكنائس وأماكن عبادة تمارس نشاطها بكل حرية، والتعليم الديني موجود ضمن الأطر القانونية، وليس لدينا أي سياسة لتغيير نمط حياة الناس أو التدخل في خصوصياتهم، الفرق فقط أننا لا نسمح لأي جهة، دينية أو غير دينية، أن تفرض أسلوب حياتها على الآخرين.
*أخيراً، ما هو المشروع الذي تطرحونه كبديل عن الإسلام السياسي أو الأيديولوجيات الإقصائية؟
نحن نطرح مشروع الأمة الديمقراطية، الذي يقوم على أسس: الإدارة الذاتية، التعدد الثقافي والديني، المساواة الجندرية، ودمقرطة المجتمع من القاعدة إلى القمة، هذا المشروع لا يسعى لفرض هوية واحدة، بل للاعتراف بجميع الهويات الموجودة في سوريا، البديل عن الإسلام السياسي ليس اللادينية أو القمع، بل نظام مدني ديمقراطي يحترم الأديان دون أن يسمح بتحويلها إلى أدوات سلطة، ونحن نؤمن أن الحل في سوريا يجب أن يكون عبر بناء عقد اجتماعي جديد، يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، ويضمن لجميع المكونات مكانها في مستقبل البلد، دون وصاية أو تهميش.