لكل السوريين

ارتفاع تكاليف الولادة في القنيطرة… نساء يعانين بين الفواتير الثقيلة وسوء المعاملة

القنيطرة/ رجاء مختار

تشهد محافظة القنيطرة جنوبي سوريا، في السنوات الأخيرة، ارتفاعاً كبيراً في تكاليف الولادة داخل المشافي الحكومية والخاصة، وسط شكاوى متزايدة من سوء معاملة النساء من قبل القابلات والممرضات، وهو ما يزيد من معاناة الأسر ويكشف هشاشة الخدمات الصحية نتيجة ضعف أجور الكوادر الطبية وعدم كفاية التمويل.

أم فاطمة، امرأة ثلاثينية من بلدة خان أرنبة، تروي تجربتها الأخيرة مع الولادة في أحد مستشفيات المحافظة: “دخلت المستشفى وأنا قلقة على حياتي وحياة طفلي، لكن الصدمة الأكبر كانت عند معرفة المبلغ المطلوب لإتمام الولادة. قالوا لي إن الأدوية والفحوصات الإضافية والتغذية والمستلزمات كلها تكلفة عليّ دفعها قبل الولادة. حاولت أن أشرح أنني لا أملك هذا المبلغ، لكن لم يستمع أحد”.

تكشف هذه القصة واقعاً شائعاً بين النساء في القنيطرة، إذ تتراوح تكاليف الولادة بين 150 دولار و300 دولار أميركي في المشافي الخاصة، بينما لم تعد المشافي الحكومية، رغم أنها أقل تكلفة، قادرة على تقديم الرعاية المناسبة دون دفع إضافات تحت مسميات مختلفة. هذا الارتفاع الملحوظ في الأسعار مرتبط جزئياً بانخفاض الأجور لدى الكوادر الطبية، ما يجعل بعض القابلات والممرضات يلجأن إلى فرض رسوم إضافية لتغطية احتياجاتهم اليومية.

سعاد، أم لطفلين، تقول: “عندما ذهبت إلى الولادة في مشفى حكومي، كانت القابلة ترفع صوتها عليّ دون سبب، وأحياناً تتعامل بقسوة واضحة. طلبت منها شيء بسيط للراحة أثناء المخاض، لكنها رفضت وقلت لي أن عليّ دفع مبلغ إضافي للحصول على خدمات أفضل. شعرت بالحرج والخوف في نفس الوقت”.

النساء اللواتي زرن المشافي لاحظن تبايناً كبيراً في المعاملة بين الأقسام، حيث يتلقى من يدفعون مبالغ إضافية رعاية أسرع وأكثر اهتماماً، بينما يُترك من لا يملكون المال للانتظار الطويل في ظروف صعبة، ما يضاعف الضغط النفسي أثناء الولادة، وهو ما يرفع مخاطر التعرض لمضاعفات صحية.

أحد التحديات الرئيسية هو ضعف أجور الكوادر الطبية في المحافظة، والتي لا تتناسب مع ارتفاع تكلفة المعيشة. القابلات والممرضات في المشافي الحكومية يتقاضين أجوراً منخفضة جداً مقارنة بالضغط الكبير والعمل المستمر، ما يؤدي إلى إحباطهن، وفي بعض الحالات إلى سوء المعاملة أو مطالبة النساء برسوم إضافية لتقديم الخدمات بشكل أفضل. تقول مريم، ممرضة في مستشفى حكومي: “نعمل لساعات طويلة، نتعامل مع حالات الولادة الطارئة، ومعظم النساء بحاجة لدعم نفسي خلال المخاض، لكن الرواتب لا تكفي حتى لتغطية مصاريفنا الشخصية. للأسف، هذا الضغط يظهر أحياناً في سلوكنا تجاه المرضى”.

ارتفاع الأسعار وسوء المعاملة لا يؤثران فقط على النساء، بل يمتد تأثيرهما ليشمل العائلات بأكملها. أبو رامي، والد شابة وضعت مولودها مؤخراً، يروي: “طلبوا منا دفع مبلغ إضافي لشراء أدوات الولادة، ولم يكن لدينا المال. اضطررنا للاقتراض من الجيران والأصدقاء لتغطية التكاليف. خلال العملية، لاحظت أن الطاقم كان مستعجلاً وغير مهتم بالتفاصيل، وكأنهم يريدون إنهاء الأمر بسرعة”.

معظم النساء في القنيطرة يفضّلن الولادة في المشافي الحكومية لكونها أقل تكلفة نسبياً، لكن نقص الأدوية، المعدات، والكوادر المؤهلة يجعل التجربة صعبة ومرهقة. بعض الحالات تضطر للذهاب إلى المشافي الخاصة على الرغم من التكلفة العالية، بحثاً عن بيئة أكثر أمناً، إلا أن ذلك يزيد من الضغط المالي على الأسر ويجعل الولادة تجربة مكلفة جداً.

الوضع الصحي في المحافظة مرتبط بشكل وثيق بالاقتصاد المحلي. مع ضعف الأجور وارتفاع أسعار المستلزمات الطبية، أصبح من الصعب على الأسر المتوسطة والفقيرة تحمل تكاليف الولادة. ناهيك عن أن بعض النساء يضطررن لتأجيل الحمل أو البحث عن حلول بديلة في البيوت أو لدى القابلات التقليديات، ما يعرض حياتهن وحياة الأطفال للخطر.

الأطباء في القنيطرة يشيرون إلى أن تحسين ظروف العمل وزيادة أجور الكوادر الطبية هي خطوة أساسية لتخفيف المعاناة. الدكتور سامر، طبيب نساء وتوليد في مستشفى حكومي، يقول: “الموظفون بحاجة إلى دعم مالي ومعنوي. إذا لم تتحسن أوضاعهم، سيستمر ارتفاع التكاليف وسوء المعاملة، لأنه مرتبط مباشرة بالضغط المالي والنفسي على الكادر”.

بالإضافة إلى ذلك، تؤكد مختصات الصحة النسائية على ضرورة نشر التوعية بين النساء حول حقوقهن أثناء الولادة، وأهمية مراجعة الجهات الرسمية عند حدوث أي انتهاك، لتقليل حالات سوء المعاملة. كما يشددن على أهمية تحسين التمويل للمستشفيات الحكومية لتوفير مستلزمات الولادة دون الحاجة لفرض رسوم إضافية على النساء.

في القنيطرة، تعكس قصص النساء وأسرهن هشاشة المنظومة الصحية، وغياب الرقابة الكافية على المستشفيات والمراكز الخاصة، وارتباط جودة الرعاية بالقدرة المالية للأسر. أزمة الولادة ليست مجرد تجربة طبية صعبة، بل انعكاس للوضع الاجتماعي والاقتصادي، حيث يواجه المواطنون تحديات مزدوجة: ضمان ولادة آمنة لأطفالهم، وتحمل تكاليف باهظة وسط ضعف الأجور وسوء المعاملة.

الأوضاع تشير إلى أن الحل لا يقتصر على خفض أسعار الولادة أو تحسين التعامل في المشافي، بل يشمل إعادة النظر في الرواتب، دعم الكوادر الصحية، تأمين المستلزمات الطبية، وتعزيز الرقابة على المؤسسات الصحية لضمان حقوق النساء وضمان ولادة آمنة لكل أم في المحافظة. قصص أم فاطمة، سعاد، وأبو رامي تجسد معاناة يومية، لكنها أيضاً تضع أمام المجتمع والجهات الصحية فرصة لتحسين النظام الصحي ورفع مستوى الخدمة الإنسانية في القنيطرة.

- Advertisement -

- Advertisement -