لكل السوريين

من رماد الحرب إلى أمل التعايش.. حمص تخطو نحو الغد

حمص/ بسام الحمد

في شوارع حمص التي لا تزال تتنفس بألم، تتراقص ذكريات الماضي بين أنقاض المباني وأرواح السكان الذين يحملون في قلوبهم جراحاً لا تُرى، لكنها تُلمس في كل حوار، في كل صمت، وفي كل نظرة حذرة. هنا، حيث عاشت المدينة تجربة قاسية من الانقسام والصراع، يحاول الناس الآن أن يعيدوا بناء جسور الثقة التي مزقتها سنوات الحرب والكراهية. لكن يبقى السؤال المعلق في الهواء: كيف يُصلح ما أفسده النظام السابق، وكيف تُبنى ثقة في مجتمع أصبح الشك فيه لغة مشتركة؟

لم تبدأ مشكلة حمص مع الحرب، بل كانت جذورها متجذرة في سياسات النظام المخلوع الذي عمل لسنوات على خلق انقسامات طائفية واجتماعية، محوّلاً المدينة إلى كتل متباعدة، كل منها تحمل هويتها الخاصة وخوفها من الآخر. لقد كان النظام بارعاً في تحويل الاختلافات إلى خطوط تماس، وإلى حدود غير مرئية يفصل بينها الخوف وعدم الثقة. وعندما اندلعت الثورة، تحولت هذه الخطوط إلى جروح عميقة، وزادت الهوة بين المكونات المختلفة، مما جعل عملية المصالحة أشبه بمحاولة بناء جسر فوق هاوية سحيقة.

رغم كل ذلك، هناك أصوات في حمص ترفض الاستسلام لهذا الواقع، وتصر على أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. التقينا بعدد من هؤلاء الذين يؤمنون بالتعايش، ويحاولون يومياً زرع بذور الأمل في تربة مليئة بالشك والألم. أنجيلا عوض، أستاذة جامعية، تقول إن التعايش كان موجوداً دائماً، والناس في حمص يعيشون في نفس المباني ويتشاركون الأماكن العامة دون مشاكل تذكر. بالنسبة لها، المشكلة ليست بين المكونات، بل مع بعض الأفراد الذين يرفضون فكرة التعايش نتيجة التربية أو التعليم. وترى أن المستقبل سيكون أفضل، خاصة بعد انتهاء المحاكمات، حيث سيعود الجميع إلى بناء الوطن معاً.

محمد الحمصي، الذي عاد إلى المدينة بعد سنوات من النزوح والقتال، يرى أن الحل يكمن في تطبيق القوانين على الجميع بشكل متساوٍ، وإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس جديدة. ويقترح إعادة تطبيق الخدمة العسكرية الإلزامية كوسيلة لجمع الشباب من جميع الطوائف وتعريفهم ببعضهم، مما يعزز التفاهم ويقضي على الصور النمطية.

التحديات لا تزال كبيرة. فرح عيسى، ناشطة في العمل الإنساني، تصف الوضع الحالي بأنه معقد ومليء بالارتباك. وتقول إن الشعب السوري، بعيداً عن الانتماءات الطائفية، شعب متقارب وطيب، لكنه بحاجة إلى وقت وصبر لمعالجة الجراح العميقة الناتجة عن الحرب، خصوصاً بعد الخيانة بين الجيران والانفصال الجغرافي بين الأحياء، مما جعل الثقة بين الناس ضعيفة وهشة.

لمى فهد، ناشطة أخرى، ترى أن الوضع يتحسن تدريجياً، لكن الخوف ما زال موجوداً في بعض المناطق. هي شاركت في مبادرات للمصالحة، ورأت كيف يحتاج الناس إلى مساحة للتعبير عن آلامهم، لكنها تؤكد أن نتائج هذه المبادرات لا تظهر بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى وقت طويل لتثمر. وترى أن تطبيق القانون والعدالة هو الأساس لإعادة بناء الثقة، وأن المبادرات المجتمعية يمكن أن تكسر الصور النمطية وتعيد الروابط الإنسانية.

أبو عدي الحمصي، الذي فضل عدم ذكر اسمه الحقيقي، يضيف بعداً آخر للمسألة، وهو عدم اعتراف بعض الأشخاص بأخطائهم وعدم محاسبة المخطئين. ويؤكد أن المسألة ليست طائفية بقدر ما هي مسألة دم وعدالة، وأن الاعتراف بالأخطاء ومحاسبة المسؤولين عنها هو الطريق الوحيد لبناء ثقة حقيقية.

ما يجمع كل هذه الأصوات هو الإيمان بإمكانية التغيير، وبأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل إذا ما عمل الجميع معاً. يعلمون أن الطريق طويل وشاق، وأن الجراح تحتاج إلى وقت لتلتئم، لكنهم يرفضون أن تتحول حمص إلى مدينة منقسمة إلى الأبد. إن قوة المجتمع تكمن في قدرته على تجاوز الماضي، وفي إرادته لبناء مستقبل مختلف.

حمص، التي عانت كثيراً، يمكن أن تتحول إلى نموذج للمصالحة والتعايش في سوريا، لكن ذلك يتطلب جهداً جماعياً من أبناء المدينة، ومن المؤسسات المحلية والمجتمع المدني. كما يحتاج إلى دعم الدولة لتحقيق العدالة وتطبيق القانون، وخلق فرص حقيقية للشباب حتى لا ينجروا مرة أخرى إلى دوامة العنف.

في النهاية، المصالحة ليست مجرد كلمة تُقال، بل عملية معقدة تحتاج إلى وقت وصبر وإرادة. تحتاج إلى أن نعترف بأخطائنا، وأن نغفر لبعضنا، وأن نعمل معاً لبناء مستقبل أفضل. حمص تستحق أن تعود مدينة للجميع، حيث يعيش الناس فيها بأمان وسلام، متجاوزين جراح الماضي نحو غدٍ أكثر إشراقاً.

- Advertisement -

- Advertisement -