لكل السوريين

حرائق مصياف تحوّل أرزاق الأهالي إلى رماد وتترك القرى في مواجهة العوز

حماة/ جمانة الخالد

لم تكن حرائق آب/ أغسطس الماضي في ريف مصياف بريف حماة مجرد حدث عابر يضاف إلى سلسلة الكوارث الطبيعية التي اعتاد السوريون سماع أخبارها في السنوات الأخيرة، بل شكلت مأساة حقيقية لأهالي القرى الجبلية الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا مصدر رزق. فقد أتت النيران على مساحات واسعة من الغابات الكثيفة التي كانت تشكل رئة خضراء للمنطقة، ومورداً أساسياً لسكانها الذين يعتمدون على جمع النباتات البرية مثل الغار والزعتر والزوفا والخرنوب. ومع اختفاء هذه النباتات تحت طبقة الرماد، خسر الناس آخر ما تبقى لهم من أمل في تأمين لقمة العيش.

في قرية دير الصليب، جلس أبو رائد، رجل خمسيني، أمام منزله الصغير متأملاً الجبال السوداء التي لم يبق منها سوى جذوع متفحمة. يقول بصوت يختنق بالحزن: “كنا نعيش على ما يرزقنا الله به من الجبل. نصعد منذ الفجر لنقطف ورق الغار والزوفا ونعود مساء ببعض ما يسد حاجتنا. لم يكن دخلنا كبيراً، لكنه كان كافياً لتأمين الخبز والشاي والسكر. اليوم كل شيء احترق، حتى الأمل احترق معه”.

أم سهيل، وهي أرملة تعيل ثلاثة أطفال من قرية حوير، تروي تجربتها مع جمع النباتات البرية: “كنت أخرج مع أطفالي إلى الجبل. نقطع أغصان الغار ونحملها على ظهورنا ساعات طويلة. نبيع ما نحصده للتجار ونشتري بثمنه حاجاتنا اليومية. لكن بعد الحرائق لم يعد أمامنا سوى البطالة والجوع. كيف أؤمّن حياة أطفالي؟ ليس لدينا أرض زراعية، والوظائف لا وجود لها. كنا نأكل من خيرات الجبل، واليوم لا شيء سوى الرماد”.

عبد الكريم، شاب في العشرينات من قرية عين حلاقيم، كان قد بدأ عمله في قطاف النباتات منذ ثلاث سنوات ليساعد والده المريض. يصف معاناته قائلاً: “كنا نمشي مسافات طويلة لنحصل على دخل لا يتجاوز 25 أو 30 ألف ليرة في اليوم. رغم قلة المردود، كنا نرضى به لأنه أفضل من لا شيء. لكن الحرائق حرمتنا من هذا المورد الوحيد. أشعر أني فقدت كل شيء دفعة واحدة: عملي، جهدي، وحتى مستقبلي”.

الخسائر لم تقتصر على الأهالي البسطاء، بل طالت أيضاً التجار الصغار الذين كانوا يشترون هذه النباتات لبيعها في الأسواق المحلية أو إرسالها إلى معامل صغيرة للتجفيف والتغليف. أبو ناصر، تاجر في مدينة مصياف، قال إن الحرائق الأخيرة قلّصت الكميات المعروضة بأكثر من النصف: “كنا نستقبل يومياً نحو طن من ورق الغار، أما اليوم فنادراً ما يصلنا نصف طن في الأسبوع. الأسعار ارتفعت طبعاً، لكن المشكلة أن الناس فقدوا قدرتهم الشرائية، ولم يعد هناك إنتاج يعوض النقص”.

في أحد المقاهي القديمة بالمدينة، يتحدث مجموعة من الشبان عن مستقبل مجهول ينتظرهم. أحدهم قال: “كنا نخطط لتوسيع عملنا في جمع النباتات وبيعها للمطاعم ومحلات العطارة، لكن النيران أحرقت خططنا كلها. الآن نفكر في السفر أو الهجرة بحثاً عن أي فرصة، لأن البقاء هنا يعني البطالة”.

الحرائق لم تترك أثراً اقتصادياً فقط، بل حملت أيضاً أبعاداً اجتماعية ونفسية عميقة. إذ يشير الأهالي إلى أن علاقتهم بالجبل لم تكن مجرد مصدر دخل، بل كانت جزءاً من هويتهم وذاكرتهم. أم يوسف، امرأة مسنّة من قرية البياضة، قالت وهي تمسح دمعة نزلت على خدها: “هذا الجبل رافقنا منذ طفولتنا. فيه كنا نلعب ونقطف الأعشاب ونقضي أوقاتنا. اليوم عندما أنظر إليه وأراه أسود اللون، أشعر أن جزءاً مني مات معه”.

وبينما يحاول الأهالي لملمة شتاتهم والتأقلم مع واقع جديد يفرض عليهم البحث عن بدائل شبه معدومة، تبقى حياتهم اليومية معلقة بين الحاجة والعوز. لا مشاريع إغاثة وصلت حتى الآن، ولا برامج حكومية لخلق فرص عمل أو إعادة تأهيل الغابات المنكوبة. الكل يتحدث عن الخسائر، لكن أحداً لا يقدم حلولاً.

في النهاية، يجد سكان مصياف أنفسهم أمام معركة قاسية مع الفقر والجوع بعد أن التهمت الحرائق أرزاقهم. وما بين جبال محروقة وأيدٍ فارغة وموائد تزداد خفوتاً، يظل السؤال معلقاً: من يعيد لهؤلاء الناس حياتهم الطبيعية؟ ومن يعوضهم عن رمادٍ لم يترك خلفه سوى الحسرة والخذلان؟

- Advertisement -

- Advertisement -