حماة/ جمانة الخالد
بين أغصان أشجار الزيتون في ريف حماة، يحكي كل غصن قصةً مختلفة هذا العام؛ قصة جفافٍ لم تشهدها الأرض من قبل، وقصة معاومةٍ قاسيةٍ اجتمعت مع الظروف الصعبة لتُنتج موسماً عجافاً يثير قلق المزارعين الذين ظلوا لسنواتٍ يعتمدون على هذه الشجرة المباركة في تأمين قوتهم وقوت أولادهم. هنا، في واحدة من أهم المناطق الزراعية في سوريا، يتحدث المزارعون عن موسم زيتون “ما فيش منه”، على حد تعبير أحدهم، بينما تغيب الدعمات وتزداد التكاليف، وتتراجع كميات الإنتاج إلى مستويات قياسية.
لم تكن حماة بمنأى عن تداعيات الأزمة التي ضربت القطاع الزراعي في سوريا خلال السنوات الأخيرة، لكن هذا العام يبدو مختلفاً. فبالإضافة إلى استمرار أزمة الوقود وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية، جاء الجفاف ليكون الضربة القاضية التي أنهت أي أمل بموسمٍ مقبول. تقول أم محمد، وهي امرأة في الخمسين من عمرها تعمل في زراعة الزيتون منذ أكثر من ثلاثين عاماً: “ما بتذكر إنه صار هيك موسم من قبل. الأشجار تعبانة والأرض عطشانة، وإحنا ما عندنا قدرة نرويها. حتى المطر هالسنة غاب عنا”.
الأرقام الرسمية تتحدث عن تراجعٍ كبيرٍ في الإنتاج المتوقع لمحافظة حماة. فبحسب مدير الزراعة في المحافظة، من المتوقع ألا يتجاوز الإنتاج هذا العام 15 ألف طن، مقارنةً بما كان يزيد عن 40 ألف طن في السنوات الماضية، أي بانخفاضٍ قد يصل إلى 60% في بعض المناطق. هذه النسبة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة طبيعية لانحباس الأمطار وتراجع منسوب المياه الجوفية، مما أدى إلى جفاف العديد من الآبار التي كانت تُستخدم للري التكميلي.
ولعل ظاهرة المعاومة، وهي أن تكون الأشجار مثمرةً عاماً وغير مثمرةٍ العام الذي يليه، شكلت عاملاً إضافياً زاد من سوء الوضع. يشرح المهندس الزراعي علي إبراهيم، الذي يعمل في مجال الاستشارات الزراعية، أن “المعاومة ظاهرة طبيعية، لكنها تفاقمت بسبب الإجهاد المائي الذي تعانيه الأشجار وعدم قدرة المزارعين على توفير المتطلبات الضرورية من الري والتسميد، مما أدى إلى ضعف عام في الأشجار وعدم قدرتها على إنتاج محاصيلَ جيدة حتى في السنوات المثمرة”.
في قرية الزيارة بريف حماة الشمالي، يجلس أبو ياسر أمام بيته المحاط بأشجار الزيتون، يتأمل أغصانها الشاحبة وهو يحكّ رأسه بحيرةٍ وأسى. يقول: “هالسنة خسرانين. المصاري صرفت على الري والمكافحة، والإنتاج ما عم يعوّض. حتى الزيت رح يكون غالي والناس ما رح تقدر تشتريه”. ويضيف أن سعر صفيحة الزيت زنة 16 كيلوغراماً بدأ بالارتفاع منذ الآن، حيث قفز من حوالي 500 ألف ليرة في الموسم الماضي إلى ما يقارب 700 ألف ليرة، وهو ما سيجعل هذه المادة الأساسية بعيدة عن متعدد الكثير من الأسر.
اليوم، بينما تستعد معظم العائلات في ريف حماة لموسم قطف الزيتون، فإن الفرحة المعتادة التي كانت ترافق هذا الموسم غائبة هذا العام، وحلت محلها همومٌ وتحدياتٌ تهدد وجود واحدة من أقدم الزراعات في المنطقة. فشجرة الزيتون، التي كانت رمزاً للصمود والعطاء، أصبحت اليوم رمزاً لمعاناة إنسان هذه الأرض الذي يعاني من جفاف الأرض وجفاف الدعم، لكنه يظل متمسكاً بالأمل بأن تعود الأيام الخضراء.