تتفاقم أزمة الصرافات الآلية في مدينة حماة خلال الأشهر الأخيرة، لتتحول من مشكلة خدمية عابرة إلى معاناة يومية تثقل كاهل السكان، ولا سيما الموظفين الحكوميين والمتقاعدين الذين يعتمدون بشكل أساسي على هذه الأجهزة لسحب رواتبهم ومعاشاتهم. ومع تكرار الأعطال ونقص السيولة، بات الحصول على المال مهمة شاقة تتطلب ساعات طويلة من الانتظار، دون ضمان النجاح.
في أحياء المدينة، لم يعد مشهد الطوابير أمام الصرافات أمراً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية. يقف عشرات المواطنين منذ ساعات الفجر الأولى على أمل أن يتمكنوا من سحب جزء من مستحقاتهم، لكن كثيراً ما تنتهي محاولاتهم بخيبة أمل، إما بسبب تعطل الجهاز أو نفاد النقود قبل وصول دورهم.
شادي السمان، متقاعد في أواخر الستينات من عمره، يروي معاناته المتكررة مع هذه الأزمة، حيث يجد نفسه كل شهر أمام نفس المشهد: صراف خارج الخدمة أو خالٍ من السيولة. ويؤكد أن هذا الواقع يضاعف صعوبات الحياة اليومية، خصوصاً في ظل محدودية الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعله أحياناً يعود إلى منزله دون أن يتمكن من الحصول على أي مبلغ.
ولا تختلف تجربة الموظفين عن المتقاعدين، إذ يشير أحمد، وهو موظف في إحدى الدوائر الحكومية، إلى أنه اضطر للانتظار لساعات طويلة أمام أحد الصرافات ليتمكن في النهاية من سحب مبلغ بسيط لا يلبي احتياجاته الأساسية. ويصف الوضع بأنه “مرهق وغير منطقي”، خاصة عندما يضطر إلى تكرار المحاولة في أكثر من موقع خلال اليوم نفسه.
الأزمة لا تقتصر على نقص السيولة فحسب، بل تمتد إلى أعطال تقنية متكررة تصيب الأجهزة، مثل عدم القدرة على قراءة البطاقات أو انقطاع الاتصال بالشبكة، ما يؤدي إلى فشل العمليات بشكل متكرر. وفي كثير من الأحيان، تتوقف الصرافات عن العمل لعدة أيام متواصلة دون صيانة، ما يزيد من الضغط على الأجهزة القليلة التي لا تزال تعمل.
في ريف حماة، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، حيث يقل عدد الصرافات بشكل ملحوظ مقارنة بالمدينة، ما يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى أقرب جهاز. ومع ارتفاع تكاليف النقل وضياع الوقت، تتحول عملية سحب الراتب إلى عبء إضافي على الأسر، خاصة مع عدم وجود ضمان لتوفر السيولة عند الوصول.
المتقاعدون من كبار السن هم الأكثر تضرراً من هذه الأزمة، إذ يضطرون للوقوف لساعات طويلة في ظروف مناخية قاسية، سواء تحت أشعة الشمس أو في البرد، للحصول على مبالغ محدودة بالكاد تكفي لتغطية الاحتياجات اليومية. ويزيد هذا الواقع من شعورهم بالإرهاق والقلق، في ظل غياب بدائل عملية.
خبراء اقتصاديون يرون أن ما يحدث في حماة يعكس خللاً أعمق في البنية المصرفية، حيث تعاني البلاد من نقص في عدد الصرافات مقارنة بحجم الطلب، إلى جانب ضعف الصيانة وقلة الكوادر الفنية، فضلاً عن صعوبات تأمين قطع الغيار اللازمة نتيجة القيود الاقتصادية. كما أن الضغط الكبير على الأجهزة المتاحة يؤدي إلى تسارع أعطالها وخروجها عن الخدمة بشكل متكرر.
من جهتهم، يشير بعض العاملين في القطاع المصرفي إلى أن نقص الكوادر المختصة بتغذية الصرافات وصيانتها يمثل عاملاً رئيسياً في استمرار الأزمة، إضافة إلى تحديات لوجستية وتقنية تحدّ من القدرة على تشغيل الأجهزة بكفاءة. ويؤكدون أن بعض الصرافات تعمل بشكل جزئي فقط، وغالباً ما تتعطل تحت ضغط الاستخدام المكثف.
أمام هذا الواقع، تتصاعد مطالب المواطنين بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة، تشمل زيادة عدد الصرافات الآلية، وضمان تزويدها بالسيولة بشكل منتظم، وتحسين خدمات الصيانة. كما يطالب البعض بتسريع التحول نحو وسائل الدفع الإلكتروني وتطوير التطبيقات المصرفية، كحلول بديلة قد تخفف من الاعتماد على الصرافات التقليدية.
في المحصلة، لم تعد أزمة الصرافات في حماة مجرد خلل تقني، بل أصبحت انعكاساً لمعاناة اقتصادية أوسع، حيث تتحول أبسط العمليات المالية إلى تحدٍ يومي، يضيف مزيداً من الضغوط على حياة المواطنين في ظل ظروف معيشية صعبة.