رغم ما يبدو من نجاحات لافتة في السياسة الخارجية السورية، فإن هذه الإنجازات تخفي وراءها اختلالات عميقة تهدد الاستقرار على المدى البعيد. فقد تمكنت السلطات من استعادة قنوات دبلوماسية، وتخفيف وطأة العقوبات، وتجنّب الانخراط المباشر في تداعيات الصراعات الإقليمية، إلا أن هذه المكاسب لم تُترجم إلى استقرار داخلي حقيقي.
تكشف التطورات الأخيرة، لا سيما أحداث السويداء، أن الاعتماد المفرط على التهدئة الخارجية لم يُعالج جذور الأزمات الداخلية، بل ساهم في تأجيل انفجارها. فالضربة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت قوات حكومية، جاءت نتيجة مباشرة لصراع داخلي غير محسوم، ما يؤكد أن هشاشة الداخل تفتح الباب دائمًا أمام التدخلات الخارجية.
بدلًا من تبنّي مسار وطني شامل لمعالجة التوترات، اتجهت الحكومة إلى إدارة الأزمات عبر تفاهمات واتفاقات خارجية. ورغم أن هذا النهج قد يحقق تهدئة مؤقتة، إلا أنه يفتقر إلى الاستدامة، إذ يُبقي أسباب النزاع قائمة ويُعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
المشكلة لا تكمن فقط في أسلوب إدارة الأزمات، بل في غياب رؤية داخلية جامعة. فالقضايا المطروحة في السويداء — من الحكم وتقاسم السلطة إلى التمثيل السياسي — هي في جوهرها قضايا وطنية لا يمكن حلها عبر ترتيبات جزئية أو صفقات مغلقة. ومع ذلك، استمرت المقاربة الرسمية في تجاوز هذه الحقائق، ما أدى إلى تعثر الاتفاقات ورفضها محليًا، واستمرار دوامات العنف.
كما أن محدودية الحوار الوطني، وغياب الشفافية في نتائجه، يعكسان خللًا بنيويًا في إدارة المرحلة الانتقالية. فبدون إشراك حقيقي لمختلف مكونات المجتمع، تبقى العملية السياسية ناقصة، وتتحول المفاوضات إلى صراع صفري بدلاً من كونها مسارًا لبناء التوافق.
إن التركيز على تحسين الموقع الخارجي لسوريا، دون تعزيز التماسك الداخلي، يمثل رهانًا محفوفًا بالمخاطر. فالاستقرار الذي لا يستند إلى قاعدة داخلية صلبة يظل هشًا وقابلًا للانهيار عند أول اختبار.
في المحصلة، لا يكمن التحدي الحقيقي أمام سوريا في قدرتها على تجنب الصراعات الإقليمية، بل في قدرتها على معالجة أزماتها الداخلية وبناء نظام سياسي يحظى بالشرعية والثقة. فبدون ذلك، ستبقى النجاحات الخارجية مجرد واجهة تخفي واقعًا داخليًا مضطربًا، وستظل البلاد عرضة لاختراقات تقوّض سيادتها من الداخل قبل الخارج.