لكل السوريين

تفضيل أهالي بدمشق للمدارس الخاصة.. بحث عن جودة التعليم ومستقبل أفضل

دمشق/ مرجانة اسماعيل

في أحياء دمشق المكتظة، يتكرر المشهد يوميًا: أولياء الأمور يقفون أمام أبواب المدارس الخاصة مبكرًا، يسجلون أبنائهم ويبحثون عن مقاعد دراسية رغم ارتفاع الرسوم، في حين تُلاحظ المقاعد في المدارس الحكومية شبه فارغة في بعض الأحياء. هذا التحول الكبير في اختيارات الأهالي يعكس قلقهم المتزايد على جودة التعليم ومستقبل أبنائهم، ويكشف عن فجوة متنامية بين التعليم الحكومي والخاص في العاصمة.

سارة، أم لطفلين في المرحلة الابتدائية، تروي تجربتها: “رغم أن رسوم المدرسة الخاصة مرتفعة جدًا، فضلت إدخال أولادي هنا بدل المدرسة الحكومية القريبة من المنزل. في المدرسة الحكومية، لاحظت ضعف التحصيل الدراسي والازدحام الكبير، والمعلمين أحيانًا غير قادرين على متابعة كل طالب بالشكل المطلوب”. سارة ليست وحدها؛ كثير من الأهالي يشيرون إلى أن رغبتهم في مدارس خاصة لا تتعلق بالرفاهية فقط، بل بسعيهم لتوفير تعليم أكثر فعالية لأبنائهم، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجهها المدارس الحكومية من نقص في الكادر المؤهل والمرافق التعليمية.

على الجانب الآخر، يروي يوسف، مدرس في مدرسة حكومية قديمة في دمشق، أن المشكلة لا تكمن في المعلمين فقط، بل في بيئة التعليم العامة. “الأعداد كبيرة جدًا، والمناهج واسعة، ونادراً ما نجد وسائل حديثة تساعد الطلاب على التعلم بطريقة تفاعلية. بعض الطلاب يتأخرون في فهم الدروس لأن الوقت لا يسمح للمعلم بالاهتمام بكل طالب على حدة”. هذه الملاحظات تكررها كثير من التقارير المحلية التي تشير إلى أن الضغط على المدارس الحكومية، بالإضافة إلى ضعف التمويل، أدى إلى انخفاض جودة التعليم مقارنة بما تقدمه المدارس الخاصة.

المدارس الخاصة بدورها تسعى لتلبية توقعات الأهالي بتقديم برامج تعليمية متنوعة تشمل اللغة الإنجليزية، والكمبيوتر، والأنشطة العلمية والفنية. قصص نجاح مثل قصة علي، الطالب الذي حصل على منحة دراسية لإحدى الجامعات الأوروبية بعد تفوقه في مدرسة خاصة، تزيد من رغبة الأهالي في تسجيل أبنائهم في هذه المؤسسات. بالنسبة للأهالي، التعليم الخاص يمثل استثمارًا لمستقبل أبنائهم، حتى لو كان ذلك على حساب ميزانية الأسرة.

مع ذلك، يواجه هذا التوجه تحدياته. بعض الأهالي يشعرون بالضغط المالي الشديد نتيجة الرسوم المرتفعة، ويضطرون أحيانًا لتقليص مصاريف أخرى من أجل توفير تعليم خاص لأبنائهم. ليلى، أم لثلاثة أطفال، تقول: “أعمل لساعات طويلة لتغطية الرسوم المدرسية، لكن لا أريد أن أخاطر بمستقبل أبنائي. أحيانًا أتمنى لو كانت المدارس الحكومية توفر مستوى مماثل من التعليم”.

من جهة أخرى، تشير مصادر تربوية إلى أن بعض المدارس الحكومية بدأت بمحاولات لتطوير برامجها التعليمية، عبر إدخال التكنولوجيا وتدريب المعلمين، لكن هذه الخطوات لم تصل بعد إلى كل المناطق بشكل فعّال. الأهالي يلاحظون ببطء هذه التحسينات، ولكن في الوقت نفسه يستمرون في اللجوء إلى المدارس الخاصة لتأمين مستقبل أفضل لأبنائهم.

هذا التوجه المتزايد نحو المدارس الخاصة يطرح تساؤلات حول المساواة في التعليم في دمشق. فالقدرة على دفع الرسوم تميز بين من يستطيعون تأمين تعليم جيد لأطفالهم، وبين من يضطرون للاكتفاء بما توفره المدارس الحكومية، مما قد يعمّق الفجوة الاجتماعية على المدى الطويل. قصص مثل قصة رائد، الطالب الموهوب الذي لم يجد في مدرسته الحكومية الدعم الكافي لتطوير مهاراته، تعكس الحاجة الملحة لإصلاح النظام التعليمي الحكومي بشكل يضمن فرصًا متساوية لجميع الطلاب.

في الختام، يبدو أن الأهالي في دمشق يواصلون تفضيل المدارس الخاصة ليس بسبب الكماليات أو رفاهية التعليم، بل بحثًا عن جودة حقيقية ومستقبل أفضل لأبنائهم. هذه الظاهرة تكشف عن ضرورة معالجة التحديات التي تواجه التعليم الحكومي، بما في ذلك تطوير المناهج، دعم المعلمين، وتحسين البنية التحتية، لضمان أن التعليم يصبح حقًا متاحًا للجميع، بغض النظر عن القدرة المالية للأهل. قصص الأهالي وطلابهم تظل شهادة حية على الطموح والرغبة في تعليم أفضل، لكنها في الوقت نفسه تنبه إلى فجوة كبيرة تحتاج إلى حلول عاجلة ومستدامة.

- Advertisement -

- Advertisement -