دمشق/ مرجانة إسماعيل
في دمشق، تتصاعد موجات الغلاء بوتيرة لم تشهدها المدينة منذ سنوات الحرب، لتشمل معظم المواد التموينية والأساسية التي لا يمكن لأي أسرة الاستغناء عنها، مثل الزيت والسكر والسمنة والأرز والحليب. الأسعار تتغير بشكل شبه يومي، ما يجعل الحياة اليومية لسكان العاصمة معركة مستمرة بين الدخل المحدود وارتفاع كلفة المعيشة، وسط غياب شبه كامل لآليات رقابية فعالة على الأسواق.
في جولة ميدانية في أحياء الميدان والقنوات والمزة، بدا المشهد متشابهاً: محلات شبه فارغة، وزبائن يتحركون ببطء، يقفون أمام الرفوف ويحصون الأسعار دون أن يشترو شيئاً في كثير من الأحيان. يقول فادي كريم، صاحب محل تموين في الميدان: “كل صباح نفتح المحل ونكتشف ارتفاعات جديدة، نحن مضطرون لتطبيق التسعيرات الصادرة عن الموردين، لأن أي مخالفة تعني خسارة التوريد أو مواجهة العقوبات الإدارية. المواطن يعاني ونحن أيضاً تحت ضغط كبير.”
المواطنون أنفسهم يعبرون عن حالهم بصراحة. أم سارة، وهي ربة منزل من حي القصور، تقول: “رواتبي لا تكفي أسبوعاً واحداً، كيلو السكر أصبح أكثر من 9 آلاف ليرة، والزيت النباتي تجاوز 25 ألفاً، والأرز الجيد بات رفاهية لا يمكن تحملها. أصبحنا نختصر مشترياتنا أو نشتري بالكيلو بدلاً من الكرتونة.” وأضافت أن العائلات تضطر للانتظار أسبوعياً لرؤية أي انخفاض محتمل في الأسعار، لكنها غالباً ما تصاب بخيبة الأمل.
في حي دمر، يروي شاب يعمل في ورشة خياطة، محمود، أنه لم يعد يكفي دخله اليومي سوى لتغطية نصف احتياجاته الشهرية: “نحاول إدارة ميزانيتنا بعناية، لكن كل يوم نكتشف أن الأسعار ارتفعت مرة جديدة. أصبح شراء المواد الأساسية معركة يومية، ونضطر أحياناً للتخلي عن بعض الاحتياجات.”
حتى الباعة أنفسهم يشتكون من التفاوت في الأسعار بين السوق الرسمية والسوق الموازية، الذي يخلق فجوة كبيرة. يقول سامر، بائع مواد تموينية في منطقة الشعلان: “التسعيرة الرسمية تُحدد على أساس سعر صرف 15500 ليرة للدولار، بينما في السوق الموازية السعر بين 11400 و11500. الفرق الكبير يتيح للبعض تحقيق أرباح سريعة عبر المضاربة أو الاحتكار، والمستهلك هو من يدفع الثمن.”
وتكشف مصادر اقتصادية أن التهريب يمثل جزءاً كبيراً من الأزمة. البضائع المهربة تدخل دمشق بأسعار متقلبة، مما يضر بالمنتجات المحلية، ويجعل المنافسة صعبة على المصنعين السوريين. يقول أحد أصحاب المصانع الغذائية في حي القدم: “أحياناً نجد أن منتجاتنا لا يمكن بيعها بسعر مناسب، لأن البضائع المهربة أرخص أو مغلفة بطريقة تجذب المستهلك، ما يترك السوق فوضوية وأسعاراً مرتفعة.”
الاقتصاديون يؤكدون أن السوق السورية اليوم تعمل بنظام “اقتصاد أزمات”، حيث يشكل الخوف من الخسارة أو ارتفاع الدولار ذريعة لرفع الأسعار، وغياب الرقابة الفاعلة يترك المجال مفتوحاً للتلاعب. فادي حمود، خبير اقتصادي، يشير إلى أن استقرار الأسعار مرتبط أولاً بتوفير الإنتاج المحلي، ومن ثم ضبط الرسوم الجمركية، ووقف التهريب، وتحفيز الصناعات المحلية لتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي يربط الأسعار مباشرة بسعر الدولار.
في دمشق، تظهر بعض المشاهد اليومية الجديدة نتيجة الغلاء: سكان حي الميدان يقفون في طوابير أمام محال الخبز والحليب، وأمهات يحملن أطفالهن لشراء مستلزمات الشهر، بينما الشباب يراقبون أسعار البضائع من على الهواتف قبل التوجه للأسواق. يقول أحد الطلاب الجامعيين: “نكتفي أحياناً بالتجول في الأسواق لمجرد معرفة الأسعار، لأن الشراء أصبح شبه مستحيل بالنسبة لنا. حتى شراء كيلو السكر أو الزيت بات تحدياً.”
رغم التصريحات الحكومية المتكررة حول مراقبة الأسواق وضبط الأسعار، يرى المواطن أن أثر هذه الإجراءات محدود. مديرية التموين في دمشق تشن جولات يومية وتحرر ضبوطاً للمخالفين، لكنها تواجه صعوبة في السيطرة على السوق بالكامل بسبب حجم العاصمة الكبير وكثرة التجار والموردين.
تظل النتيجة النهائية واضحة: المواطن الدمشقي هو الخاسر الأكبر، فهو يعيش حالة دائمة من التوتر الاقتصادي، يقلص مشترياته، ويضطر أحياناً للجوء إلى القروض الصغيرة أو مساعدات من الأقارب، بينما التجار يواصلون جني الأرباح في ظل بيئة غير متوازنة. الأسعار في دمشق لا تنخفض، والتحديات الاقتصادية تلوح كجدار أمام استقرار حياة المواطن، فيما الحكومة تعد بإجراءات جديدة لم يلمس تأثيرها بعد على أرض الواقع.
دمشق، المدينة التي صمدت خلال أصعب الظروف، تواجه اليوم حرباً من نوع مختلف: حرب الغلاء، حيث المعركة اليومية ليست مع الأعداء، بل مع الأسعار، والدخل المحدود، ونظام اقتصادي يترك المواطن في مواجهة مباشرة مع تحديات المعيشة الأساسية.