لكل السوريين

مظلوم عبدي في الرئاسة.. من قيادة مرحلة الحرب إلى شراكة بناء الدولة

يمثل تعيين مظلوم عبدي مستشاراً في رئاسة الجمهورية السورية تحولاً لافتاً في مسار العلاقة بين شمال وشرق سوريا ومؤسسات الدولة، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة تنتقل فيها الخبرات التي راكمتها المنطقة خلال سنوات الحرب من المجال العسكري إلى العمل السياسي والمؤسساتي.

ويأتي القرار في توقيت حساس تشهد فيه البلاد إعادة ترتيب شاملة للمؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية، فيما تبدو الحاجة متزايدة إلى شخصيات تمتلك القدرة على التواصل مع مختلف المكونات السورية، وفهم تعقيدات المشهد المحلي والإقليمي، والمساهمة في تخفيف التوترات التي خلفتها سنوات النزاع.

وتبرز أهمية حضور عبدي في موقع استشاري من كونه شخصية تمتلك معرفة مباشرة بالواقع الاجتماعي والأمني في شمال وشرق سوريا، إلى جانب حضوره في الملفات المرتبطة بمواجهة تنظيم «داعش» والتحديات الأمنية التي رافقت الحرب على الإرهاب. وهو ما يمنحه موقعاً يمكن أن يساعد في نقل قضايا المنطقة إلى مستوى أوسع من النقاش داخل مؤسسات الدولة.

خطوة تتجاوز البعد العسكري

لا يمكن النظر إلى تعيين عبدي بمعزل عن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، ولا سيما المسار المتعلق بإنهاء البنية العسكرية السابقة وإعادة دمج المؤسسات المحلية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

فانتقال شخصية مثل عبدي من موقع القيادة العسكرية إلى موقع استشاري في مؤسسة الرئاسة يحمل دلالة سياسية واضحة، مفادها أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تُبنى على منطق الغلبة العسكرية، وإنما على التفاهمات السياسية وترتيب العلاقة بين المركز والمناطق المختلفة ضمن إطار الدولة السورية.

ويمنح هذا الانتقال فرصة لمعالجة ملفات شائكة تراكمت خلال سنوات الحرب، وفي مقدمتها قضايا الإدارة المحلية، والحقوق الثقافية والقومية، وترتيبات الأمن، ومستقبل المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق البلاد.

كما أن وجود عبدي داخل مؤسسة الرئاسة يمكن أن يتيح قناة مباشرة لفهم هواجس سكان المنطقة ومطالبهم، بعيداً عن الوساطات المتعددة التي كانت تعقّد أحياناً عملية الوصول إلى تفاهمات واضحة.

خبرة ميدانية في خدمة الاستقرار

يمتلك عبدي خبرة واسعة في التعامل مع الملفات الأمنية والعسكرية، وهي خبرة تشكل عنصراً مهماً في مرحلة تسعى فيها سوريا إلى الانتقال من زمن الصراع إلى تثبيت الاستقرار.

وخلال السنوات الماضية، أصبحت مناطق شمال وشرق سوريا واحدة من أبرز ساحات المواجهة مع تنظيم «داعش»، وشهدت عمليات عسكرية وأمنية واسعة تركت آثاراً مباشرة على البنية الاجتماعية والأمنية للمنطقة.

ومع تراجع العمليات العسكرية الكبرى، تبرز الحاجة إلى تحويل الخبرات المتراكمة في مواجهة التنظيمات المتطرفة إلى أدوات تساعد الدولة في بناء منظومة أمنية أكثر استقراراً، ومنع عودة الفوضى أو ظهور فراغات يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يشكل عبدي جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى توحيد الجهود الأمنية ومواجهة المخاطر المشتركة، مع الحفاظ على خصوصية المجتمعات المحلية واحتياجاتها.

الكرد شريك في الدولة

ويحمل تعيين عبدي كذلك بعداً يتعلق بمستقبل الكرد داخل الدولة السورية، خصوصاً أن السنوات الماضية أظهرت أن تجاهل قضايا المكونات المحلية لم يؤدِّ إلى إلغائها، بل ساهم في تعقيدها وتحويلها إلى ملفات سياسية وأمنية مفتوحة.

ومن شأن إدماج الشخصيات السياسية والعسكرية ذات الحضور المحلي في مؤسسات الدولة أن يساعد على بناء صيغة أكثر توازناً للعلاقة بين المركز والمناطق، تقوم على المشاركة بدلاً من القطيعة، وعلى الحقوق والواجبات المتساوية بدلاً من الترتيبات المؤقتة.

وفي هذا السياق، يمكن أن يصبح وجود عبدي في مؤسسة الرئاسة مساحة للحوار حول القضايا الكردية والسورية في آن واحد، بما يتيح مقاربة هذه الملفات باعتبارها جزءاً من مستقبل البلاد، وليس باعتبارها قضية منفصلة عن المشروع الوطني السوري.

الاندماج.. الاختبار الأهم

ويبقى نجاح هذه المرحلة مرتبطاً بقدرة الأطراف السورية على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية على الأرض، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالاندماج العسكري والأمني والإداري.

فالانتقال من بنية عسكرية تشكلت خلال سنوات الحرب إلى مؤسسات وطنية موحدة يحتاج إلى ترتيبات دقيقة، تضمن استيعاب العناصر والخبرات الموجودة، وتمنع في الوقت نفسه نشوء فراغ أمني أو اضطرابات محلية.

وهنا يمكن أن يؤدي عبدي دوراً مهماً بحكم معرفته بتفاصيل المنطقة وبنيتها الاجتماعية والأمنية، إذ إن نجاح عملية الاندماج لا يعتمد فقط على القرارات المركزية، وإنما يحتاج أيضاً إلى شخصيات قادرة على التواصل مع القوى المحلية وشرح طبيعة المرحلة الجديدة وضمان انتقال منظم وسلمي.

فرصة لفتح صفحة جديدة

يمثل تعيين مظلوم عبدي في الرئاسة فرصة لتجاوز واحدة من أكثر مراحل الصراع السوري تعقيداً، إذا جرى التعامل معها باعتبارها خطوة باتجاه بناء شراكة وطنية واسعة.

فالمرحلة الجديدة تحتاج إلى استثمار الخبرات التي تشكلت خلال الحرب بدلاً من إقصائها، وإلى تحويل الشخصيات التي امتلكت نفوذاً محلياً خلال سنوات النزاع إلى أدوات تساعد على تثبيت الدولة وتعزيز الاستقرار.

ومن شأن نجاح هذا المسار أن ينعكس على شمال وشرق سوريا بصورة خاصة، وعلى المشهد السوري بصورة عامة، من خلال تخفيف التوترات، وتوسيع قنوات الحوار، وتهيئة الظروف أمام اندماج مؤسساتي تدريجي.

وفي المحصلة، فإن انتقال مظلوم عبدي إلى موقع استشاري في رئاسة الجمهورية لا يمثل مجرد تغيير في الموقع، بل يمكن أن يكون بداية لتحول أوسع: من قيادة مرحلة عسكرية فرضتها ظروف الحرب إلى المشاركة في صياغة مرحلة سياسية عنوانها بناء الدولة، وترسيخ الاستقرار، وضمان مشاركة مختلف مكونات المجتمع السوري في مستقبل البلاد.

- Advertisement -

- Advertisement -