سوريا بين وعود الشراكات وسباق النفوذ.. من يربح اقتصادياً ومن يدفع الثمن؟
تدفق الوفود والاتفاقيات يثير أسئلة صعبة: هل بدأت مرحلة الاستثمار في تعافي سوريا أم مرحلة اقتسام النفوذ؟
لم تعد الزيارات الرسمية إلى دمشق حدثاً استثنائياً، ولا توقيع مذكرات التفاهم الاقتصادية خبراً عابراً. فمنذ أشهر، تتوالى الوفود العربية والإقليمية والدولية، وتُطرح مشاريع في الطاقة والموانئ والنقل والاتصالات والصناعة والزراعة، بينما يزداد الحديث عن شراكات استراتيجية واستثمارات طويلة الأمد.
لكن خلف هذا المشهد المتسارع يبرز سؤال لا يبدو أن أحداً يجيب عنه بوضوح: هل تتنافس الدول على مساعدة سوريا، أم تتنافس على حصتها منها؟
عودة الاهتمام… لماذا الآن؟
لسنوات طويلة كانت سوريا توصف بأنها بيئة عالية المخاطر للاستثمار، فيما كانت الشركات الكبرى تتجنب الدخول إليها بسبب العقوبات وعدم الاستقرار.
أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة لافتة.
دول كانت تتعامل بحذر أصبحت تتحدث عن التعاون الاقتصادي، وشركات بدأت تستكشف فرصاً استثمارية، ووفود اقتصادية لا تكاد تغادر حتى تصل أخرى.
لكن ما الذي تغيّر؟
هل أصبحت السوق السورية فجأة أكثر جاذبية، أم أن التحولات السياسية في المنطقة دفعت الجميع إلى إعادة حساباتهم؟
الاقتصاد… أم الجغرافيا؟
يصعب فصل الاقتصاد عن السياسة في الحالة السورية.
فمن يقرأ خريطة المشاريع المطروحة يلاحظ أن معظمها يرتبط بالموانئ والطرق الدولية والطاقة والربط التجاري، وهي قطاعات تمنح الدول نفوذاً يتجاوز العائد الاقتصادي المباشر.
ويرى مراقبون أن موقع سوريا، بوصفها عقدة جغرافية تربط الخليج والعراق وتركيا والأردن ولبنان بالبحر المتوسط، يجعلها هدفاً لمشاريع إقليمية تتجاوز حدودها الوطنية.
وهنا يبرز سؤال آخر:
هل تتنافس الدول على الاستثمار داخل سوريا… أم على التحكم بالممرات التي تمر عبرها؟
اتفاقيات كثيرة… لكن أين التفاصيل؟
تتكرر الإعلانات عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم، إلا أن كثيراً منها لا يترافق مع نشر تفاصيل واضحة حول آليات التنفيذ، أو حجم الاستثمارات الفعلية، أو نسب الشراكة، أو الضمانات المقدمة للطرف السوري.
هذا الغموض يفتح الباب أمام نقاش مشروع حول مستوى الشفافية.
فهل يعرف الرأي العام ما هي القطاعات التي تُمنح الأولوية؟
ومن سيشرف على تنفيذ هذه المشاريع؟
وما الضمانات التي تمنع احتكار قطاعات حيوية لسنوات طويلة؟
هل يملك الاقتصاد السوري قدرة التفاوض؟
في الظروف الطبيعية، تدخل الدول إلى طاولة المفاوضات وهي تمتلك هامشاً واسعاً للمناورة.
لكن الاقتصاد السوري خرج من سنوات طويلة من الحرب والعقوبات، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة تشغيل بنيته الأساسية.
ويرى مختصون أن هذه الحاجة الملحة قد تضع الحكومة أمام خيارات صعبة، بين جذب المستثمرين بسرعة، أو التمسك بشروط أكثر صرامة لحماية المصالح الوطنية.
وهنا تكمن المعضلة؛ هل يستطيع الطرف السوري فرض شروطه، أم أن حاجة الاقتصاد إلى التمويل ستمنح المستثمرين هامشاً أكبر للتفاوض؟
هل يستفيد المواطن؟
في كل إعلان عن مشروع جديد، يطرح السوريون السؤال ذاته:
هل سينعكس ذلك على حياتهم اليومية؟
فحتى الآن، لا يزال المواطن ينتظر تحسناً ملموساً في الكهرباء، وفرص العمل، ومستوى الدخل، والخدمات الأساسية.
ويرى اقتصاديون أن نجاح أي شراكة لا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على خلق وظائف، وتحريك الإنتاج، وتحسين معيشة الناس.
أما إذا بقيت المشاريع محصورة في العناوين الإعلامية، فإن أثرها الاقتصادي سيظل محدوداً مهما بلغ حجمها المعلن.
تنافس قد يتحول إلى ضغط
تعدد الشركاء قد يكون فرصة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى تحدٍ.
فلكل دولة أولوياتها، ولكل مستثمر مصالحه، وقد تتقاطع هذه المصالح أو تتعارض في ملفات الطاقة أو النقل أو الاتصالات أو الموانئ.
ويحذر باحثون من أن إدارة هذا التنافس تتطلب رؤية اقتصادية واضحة، حتى لا تتحول سوريا إلى ساحة تتنافس فيها المشاريع الخارجية أكثر مما تتكامل مع احتياجاتها الداخلية.
الأسئلة التي لم تُجب بعد
وسط هذا المشهد، تبقى أسئلة عديدة مطروحة:
هل تخضع الشراكات الجديدة لاستراتيجية اقتصادية وطنية واضحة؟
من يحدد أولويات الاستثمار: احتياجات الاقتصاد السوري أم مصالح الشركاء؟
كيف ستُضمن الشفافية في العقود الكبرى؟
وهل ستصل نتائج هذه المشاريع إلى المواطن، أم ستبقى أرقاماً في البيانات الرسمية؟
بين الفرصة والاختبار
لا شك أن انفتاح الأسواق على سوريا يمثل فرصة نادرة لإنعاش الاقتصاد واستعادة النشاط الإنتاجي، لكن الفرصة وحدها لا تكفي.
فالاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الوفود الزائرة أو الاتفاقيات الموقعة، بل في قدرة الدولة على إدارة هذا السباق بما يحفظ مصالحها، ويحول الشراكات إلى أدوات للتنمية لا إلى مداخل لنفوذ اقتصادي طويل الأمد.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: من يريد الشراكة مع سوريا؟ بل بأي شروط، ولصالح من، ومن ستكون له الكلمة الأخيرة عندما تتقاطع السياسة مع الاقتصاد؟