بعد ستة أشهر على إغلاق إيران مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، لا تزال حركة الملاحة فيه عند مستويات متدنية للغاية، فيما تحولت المنطقة إلى نقطة اختناق رئيسية للتجارة والطاقة، وأصبحت آلاف السفن والبحّارة عالقين داخل الخليج بانتظار تحسن الظروف الأمنية.
وقبل اندلاع الحرب، كان المضيق يشكل ممراً رئيسياً لنحو خُمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، ما جعل أي اضطراب في حركة العبور ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة والنقل والتأمين. ومع استمرار الأزمة، لجأت شركات الشحن إلى مسارات بديلة، بينما تزايدت المخاطر المرتبطة بالهجمات والتشويش على أنظمة الملاحة والتحذيرات من وجود ألغام في مناطق من الممر.
وتشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن متوسط عبور سفن السلع الأساسية انخفض بعد إغلاق المضيق في الأول من آذار إلى نحو 10 رحلات يومياً، مقارنة بنحو 95 رحلة يومياً خلال شباط، أي بانخفاض يقارب 90%.
حركة محدودة رغم مرور السفن
لم يؤدِّ الإغلاق إلى توقف الملاحة بصورة كاملة، إذ واصلت أعداد محدودة من السفن العبور، لكن بمستويات لا تقارن بما كان عليه الوضع قبل الحرب.
وشهدت حركة الملاحة تحسناً مؤقتاً خلال فترة التهدئة في حزيران، قبل أن تتراجع مجدداً مع عودة العمليات القتالية. ووفق بيانات «كبلر»، بلغ متوسط العبور خلال فترة التهدئة نحو 45 سفينة يومياً، قبل أن ينخفض إلى قرابة 13 سفينة يومياً بعد تجدد القتال.
وفي الأيام الأخيرة، بقيت الحركة دون المتوسط المعتاد؛ إذ عبرت 10 سفن للسلع الأساسية المضيق في 26 آب، بينما بلغ المتوسط المتحرك لعشرة أيام نحو 15 سفينة يومياً، مع احتمال وجود سفن إضافية لم تظهر في بيانات التتبع بسبب إيقاف أجهزة الإرسال.
وتكشف هذه الأرقام أن المضيق لم يعد يعمل بوصفه ممراً تجارياً طبيعياً، حتى عندما تستمر بعض السفن في استخدامه.
طرق جديدة لعبور المضيق
فرضت المخاطر الأمنية واقعاً جديداً على حركة السفن، إذ لم تعد جميع الناقلات تستخدم المسار التقليدي المعتمد دولياً.
وبحسب بيانات «كبلر»، تركزت حركة العبور خلال فترات الهدوء في مسارين رئيسيين: مسار بمحاذاة الساحل الإيراني، ومسار جنوبي باتجاه الساحل العُماني، بينما اضطرت سفن أخرى إلى استخدام طرق غير واضحة أو إيقاف أنظمة التتبع.
وأصبحت ظاهرة السفن «المظلمة» أكثر حضوراً في حركة الملاحة، نتيجة إيقاف أجهزة التتبع أو التشويش على إشاراتها، الأمر الذي يجعل تحديد العدد الحقيقي للسفن التي تعبر المضيق أكثر صعوبة. وتؤكد بيانات «كبلر» أن تراجع القدرة على رصد الحركة يمثل بحد ذاته جزءاً من أزمة الملاحة، وليس مجرد مشكلة تقنية.
كما دفعت المخاطر الأمنية بعض الدول والشركات إلى البحث عن طرق بديلة لنقل النفط بعيداً عن المضيق. وفي هذا السياق، بدأت السعودية بزيادة عمليات نقل بعض شحناتها خارج هرمز، باستخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قرب الفجيرة وصحار لتقليل الاعتماد على الممر المضطرب.
إيران تتمسك بإغلاق المضيق
يتزامن التراجع الكبير في حركة الملاحة مع استمرار الخلاف حول الوضع القانوني والعملي للمضيق.
فبينما تؤكد طهران أن المضيق مغلق أمام الملاحة في ظل استمرار الحرب، تقول واشنطن إن حركة المرور يمكن أن تستمر، في وقت لم تنجح فيه التفاهمات المؤقتة في إعادة الحركة إلى مستوياتها السابقة.
وأظهرت بيانات «كبلر» أن مذكرة التفاهم التي دخلت حيز التنفيذ في حزيران ساعدت على إخراج جزء كبير من السفن والبضائع العالقة، لكنها لم تؤدِّ إلى إعادة فتح المضيق بصورة طبيعية. ووفق الشركة، غادرت كميات كبيرة من النفط الخليج خلال فترة التهدئة، لكن معدلات العبور بقيت أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
آلاف البحّارة عالقون
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على التجارة والطاقة، بل تمتد مباشرة إلى العاملين في القطاع البحري.
وتقول المنظمة البحرية الدولية إن نحو 6 آلاف بحّار ما زالوا عالقين على متن سفن داخل الخليج، فيما أعدت المنظمة خطة لإجلائهم بالتنسيق مع الدول الأعضاء وقطاع النقل البحري، إلا أن تنفيذ الخطة متوقف في ظل استمرار المخاطر الأمنية.
كما سجلت المنظمة البحرية الدولية عشرات الحوادث المرتبطة بالسفن في المنطقة. وبحسب أحدث بياناتها المنشورة حتى 21 آب، تم تسجيل 68 حادثاً مؤكداً، مع 19 وفاة بين البحّارة، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه أطقم السفن التي تحاول العمل في المنطقة.
وأدى استمرار الهجمات والمخاطر إلى زيادة الضغوط على شركات النقل، التي باتت مضطرة إلى الموازنة بين كلفة تغيير المسارات وطول الرحلات من جهة، ومخاطر المرور عبر مضيق هرمز من جهة أخرى.
أزمة تتجاوز حدود الخليج
أصبح مضيق هرمز بعد ستة أشهر من الحرب أكثر من مجرد ممر بحري متعطل؛ فهو نقطة ضغط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ورغم استمرار تدفق جزء من النفط والغاز عبر مسارات بديلة، فإن هذه البدائل لا تستطيع بسهولة تعويض الدور الذي كان يؤديه المضيق، خصوصاً مع استمرار اضطراب الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
كما أن استمرار الأزمة يدفع الدول المنتجة إلى الاستثمار بصورة أكبر في خطوط الأنابيب والموانئ والمسارات البديلة، في محاولة لتقليل الاعتماد على المضيق مستقبلاً. ويرى محللون أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يغير خريطة تجارة الطاقة في المنطقة، ويقلل تدريجياً من الاعتماد على هرمز.
وبعد ستة أشهر، لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كان مضيق هرمز «مغلقاً» أو «مفتوحاً»، بل بات مرتبطاً بقدرته على استعادة دوره الطبيعي كممر آمن ومستقر للتجارة العالمية.
فحتى مع استمرار مرور عدد محدود من السفن، تبقى الحركة بعيدة عن مستويات ما قبل الحرب، فيما تستمر المخاطر الأمنية وتتعقد عمليات التتبع، ويظل آلاف البحّارة عالقين داخل الخليج.
وفي ظل استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة وتعدد مسارات التصعيد والتهدئة، يبقى مستقبل المضيق رهناً بالتطورات العسكرية والسياسية، وبمدى قدرة الأطراف المعنية على توفير ضمانات تسمح بعودة الملاحة التجارية إلى مستويات أكثر استقراراً.