حميميم وطرطوس في قلب التحول السوري ـ الروسي.. ماذا وراء إعادة تنظيم الوجود الروسي؟
لم تعد مسألة الوجود الروسي في سوريا محصورة في بعدها العسكري، بعدما دخلت دمشق وموسكو مرحلة جديدة من التفاوض لإعادة تعريف طبيعة هذا الوجود، وتحديد وظائف المنشآت الروسية على الساحل السوري، بالتوازي مع سعي البلدين إلى فتح ملفات التعاون الاقتصادي والتجاري والإنساني.
وفي أحدث تطورات هذا المسار، بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره السوري أحمد الشرع، خلال اتصال هاتفي، الوضع في سوريا ومذكرة التفاهم الموقعة بين البلدين بشأن إعادة تنظيم قاعدة حميميم الجوية ومركز الدعم اللوجستي في محافظة طرطوس.
وأعلن الكرملين أن بوتين أكد موقف موسكو الداعم لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، مشيراً إلى ضرورة تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار. كما أكد الطرفان أهمية مذكرة التفاهم الموقعة في 9 آب الجاري، والاستعداد لتعميق الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي والتجاري والإنساني.
لكن خلف هذه العبارات الدبلوماسية تبرز أسئلة أكبر: هل نحن أمام نهاية شكل من أشكال الوجود العسكري الروسي في سوريا؟ أم أن موسكو تعيد ترتيب حضورها بما يتناسب مع المرحلة الجديدة؟ وما الذي ستكسبه دمشق من إعادة تنظيم حميميم وطرطوس؟
من القواعد العسكرية إلى صيغة جديدة
شكّل الساحل السوري خلال السنوات الماضية مركزاً أساسياً للحضور الروسي في البلاد، خصوصاً مع قاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس. ومن خلال هذين الموقعين، امتلكت موسكو حضوراً عسكرياً ولوجستياً مهماً في شرق المتوسط.
غير أن المرحلة السياسية الجديدة في سوريا فرضت إعادة النظر في طبيعة هذا الوجود، خصوصاً مع انتقال العلاقة بين دمشق وموسكو من ترتيبات مرتبطة بمرحلة الحرب إلى البحث في شكل العلاقة خلال مرحلة إعادة بناء الدولة.
وتشير مذكرة التفاهم الأخيرة إلى إعادة تنظيم المنشآت الروسية، مع توجه نحو منح الدولة السورية دوراً أكبر في إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، بينما يعاد تعريف وظيفة المنشآت ذات الاستخدام العسكري ضمن ترتيبات مشتركة جديدة.
وبحسب المعطيات المعلنة، فإن مطار حميميم وبعض مرافق ميناء طرطوس ستدخل تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية السورية، بينما يُعاد النظر في وظيفة المنشآت العسكرية لتتحول إلى مراكز للتدريب والتأهيل المشترك.
وهنا تبرز نقطة جوهرية: الاتفاق لا يعني بالضرورة خروج روسيا من سوريا، وإنما يبدو أقرب إلى إعادة صياغة الوجود الروسي بما يجعله أقل ارتباطاً بصورة القاعدة العسكرية التقليدية وأكثر انسجاماً مع ترتيبات جديدة بين الدولتين.
ماذا يعني ذلك لدمشق؟
بالنسبة إلى سوريا، تحمل إعادة تنظيم المنشآت الساحلية أكثر من بعد سياسي.
فإعادة المرافق المدنية إلى الإدارة السورية يمكن أن تعزز حضور الدولة في مواقع استراتيجية، وتفتح المجال أمام استخدامها في النشاط الاقتصادي والخدمي، خصوصاً في ظل الحاجة الكبيرة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية وتنشيط الموانئ والمطارات.
كما أن الانتقال من ترتيبات عسكرية مباشرة إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة قد يسمح لدمشق بالحفاظ على التعاون العسكري مع موسكو، لكن ضمن صيغة أكثر ارتباطاً بمؤسسات الدولة السورية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن دمشق لا تبدو معنية بقطع علاقاتها مع موسكو، بل بإعادة تنظيمها وفق أولويات المرحلة الجديدة، بحيث لا تبقى العلاقة محصورة بالجانب العسكري.
وماذا تريد موسكو؟
في المقابل، يصعب النظر إلى الخطوة الروسية باعتبارها تنازلاً منفرداً.
فموسكو تنظر إلى سوريا باعتبارها موقعاً مهماً في شرق المتوسط، كما أن وجودها هناك يرتبط بحسابات استراتيجية تتجاوز الأراضي السورية نفسها.
لذلك، فإن إعادة تنظيم القواعد والمنشآت قد تكون بالنسبة إلى روسيا وسيلة للحفاظ على مصالحها، ولكن من خلال نموذج أكثر مرونة وأقل كلفة سياسياً وعسكرياً.
كما أن تحويل بعض المنشآت إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة يمنح موسكو إمكانية استمرار التعاون العسكري والأمني مع سوريا، من دون الحاجة إلى الإبقاء على الصيغة السابقة للوجود العسكري.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الاتفاق باعتباره محاولة من الطرفين للوصول إلى صيغة وسط: دمشق تستعيد مساحة أكبر من الإدارة والسيادة على المنشآت المدنية، وموسكو تحافظ في الوقت نفسه على حضورها ومصالحها الاستراتيجية.
طرطوس.. البعد الاقتصادي في المعادلة
لا يقتصر ملف الساحل على الاعتبارات العسكرية، إذ يمثل ميناء طرطوس أحد أهم المواقع الاقتصادية والاستراتيجية في سوريا.
ومن شأن إعادة تنظيم المرافق المدنية أن يفتح الباب أمام توظيف أكبر للميناء والمرافق المرتبطة به في التجارة والنقل والخدمات، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع مشاريع إعادة تأهيل للبنية التحتية.
وتزداد أهمية هذا الجانب في ظل حاجة الاقتصاد السوري إلى استعادة حركة التجارة والنقل البحري، وجذب الاستثمارات، وإعادة تشغيل المنشآت المتوقفة أو التي تعرضت للتراجع خلال سنوات الحرب.
وبالتالي، فإن مستقبل طرطوس قد يتحول إلى أحد الاختبارات الأساسية لجدية المرحلة الاقتصادية الجديدة بين دمشق وموسكو.
هل انتهى الوجود الروسي؟
الجواب، وفق المعطيات الحالية، يبدو أقرب إلى النفي.
فالمؤشرات المعلنة لا تتحدث عن انسحاب روسي شامل من سوريا، وإنما عن إعادة تنظيم وإعادة تعريف للوجود الروسي.
وهذا الفرق مهم؛ فالانسحاب يعني إنهاء الحضور، بينما إعادة التنظيم تعني الانتقال إلى صيغة مختلفة من الحضور.
ويعزز ذلك تأكيد موسكو ودمشق رغبتهما في تعميق التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني، إلى جانب استمرار الحديث عن مراكز التدريب والتأهيل المشتركة.
اختبار جديد للعلاقات
تضع مذكرة التفاهم السورية الروسية البلدين أمام اختبار جديد، ليس فقط في كيفية إدارة حميميم وطرطوس، وإنما في القدرة على تحويل العلاقات من ترتيبات فرضتها سنوات الحرب إلى شراكة تتناسب مع متطلبات مرحلة ما بعد النزاع.
فدمشق تريد تثبيت سيادتها على مؤسساتها ومنشآتها، بينما تسعى موسكو إلى حماية مصالحها الاستراتيجية والحفاظ على موقعها في المنطقة.
وبين هذين الهدفين، تبدو حميميم وطرطوس عنواناً لمرحلة تفاوضية جديدة، قد تحدد شكل العلاقات السورية الروسية خلال السنوات المقبلة.
وإذا نجحت التفاهمات في الانتقال من الورق إلى التطبيق، فقد لا تكون مذكرة 9 آب مجرد اتفاق لإعادة ترتيب منشآت ساحلية، بل بداية لإعادة بناء العلاقة بين دمشق وموسكو على أسس جديدة: سيادة سورية أوسع، وحضور روسي أكثر مرونة، وتعاون يتجاوز القواعد العسكرية إلى الاقتصاد وإعادة الإعمار.